Uncategorized
التنمر والحقارة وجهان لعملة واحدة بقلم: علاء الدين محمد أبكر

التنمر والحقارة وجهان لعملة واحدة
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
هناك كلمتان في قاموسنا السوداني لهما وقع كالصاعقة على النفس: كلمة حقارة وكلمة احتقار. الحقارة ليست أن تسرقني، بل أن تنظر إليّ نظرة تقول لي أنت لا شيء. أن تضحك عليّ أمام الناس. أن تجعلني صغيراً في عيون نفسي. هذا بالضبط هو ما يسميه علم النفس في كل العالم بالتنمر .
التنمر ليس سلوكاً جديداً، لكنه اليوم أصبح ظاهرة منظمة وخطيرة، لأنه انتقل من حوش المدرسة إلى شاشة الموبايل، ومن كلمة عابرة إلى حملة اغتيال معنوي كاملة.
دعونا نكون صريحين ونسهب في هذه القضية المسكوت عنها:
أولاً: كيف يبدأ التنمر ولماذا يستمر؟
يبدأ التنمر دائماً باختيار الضحية. المتنمر لا يختار القوي، بل يختار المختلف. يختار الطفل الهادئ، الطفل النحيف، الطفل البدين، الطفل الذي يتلعثم، الطفل الفقير الذي يلبس حذاءً قديماً، الطفل المتفوق الذي يثير الغيرة، الطفل الجديد في الحي. يختاره لأنه يعرف أن هذا الطفل لن يرد.
ثم يبدأ الاختبار: كلمة جارحة صغيرة، ضحكة. إذا سكت الضحية، يتمادى المتنمر. يتحول من كلمة إلى استهزاء يومي، ومن استهزاء إلى عزل اجتماعي: ما تلعبوا معاه، ده مسكين. ومن عزل إلى اعتداء جسدي: يأخذ مصروفه، يمزق كراسه، يضربه في الفسحة.
والأخطر أن التنمر في مجتمعاتنا المدنية مسكوت عنه. في القرية، كما ذكرت سابقاً، المستويات متقاربة، والطفل ابن بيئة مفتوحة، يرعى، يزرع، يتشاكل ويدافع عن نفسه منذ الصغر. لكن في المدينة، نحن نربي أطفالنا على الطيبة الزائدة والسكوت. نقول للطفل: عيب ترد على الأكبر منك، خليك مؤدب، أمشي بعيد. نحن بهذا نصنع ضحية مثالية، نقدمها على طبق من ذهب للمتنمر.
ثانياً: الجرح الذي لا يُنسى – لماذا ينتقم المتنمر عليه ولو بعد 30 سنة؟
هنا مربط الفرس في مقالي هذا. علماء النفس يقولون: الجسد ينسى الضربة، لكن الروح لا تنسى الإهانة.
الطفل الذي تمت حقارته أمام الفصل كله لأنه فقير، سيكبر وهو يحمل تلك الصورة. قد يصبح غنياً، قد يصبح طبيباً أو ضابطاً، لكنه سيظل يحمل بطارية مشحونة بالغضب. ومتى ما وجد ذلك المتنمر القديم في موقف ضعف، في معاملة، في وظيفة، في مشكلة، فلن يتردد في الانتقام بكل قسوة. ليس لأنه شرير، بل لأن الجرح القديم صاح: هذه هي فرصتك لتأخذ حقك.
كم من قصص سمعناها؟
– موظف يرفض توقيع معاملة لزميله القديم في المدرسة، فقط لأنه كان يتنمر عليه أيام الابتدائية.
– رجل يرفض أن يزوج ابنته لابن رجل كان يحقره وهو صغير.
– شجار عنيف بين رجلين في الخمسين من عمرهما، والسبب الحقيقي يعود إلى أن أحدهما كان يأخذ ساندوتش الآخر في المدرسة ويضحك عليه.
هذه ليست قصصاً خيالية، هذه تحدث كل يوم حولنا. التنمر يخلق عداوة مؤجلة، قنبلة موقوتة تنفجر بعد سنوات.
ثالثاً: أنواع التنمر التي نمارسها دون أن نشعر
نحن نمارس التنمر ونسميه هزار:
– التنمر اللفظي: يا سمين، يا قصير، يا فكي، يا بليد، يا بتاع الطبشيرة. هذه ليست ألقاباً، هذه سكاكين.
– التنمر الجسدي: الضرب، الدفع، أخذ الأشياء بالقوة.
– التنمر الاجتماعي: العزل والمقاطعة، أن تقول لشلة الأولاد ما تلعبوا مع فلان.
– التنمر الإلكتروني وهو الأخطر اليوم: تصوير طفل وهو يبكي ونشره في قروب الواتساب، السخرية من صورته في تيك توك، إنشاء صفحة للضحك عليه. هذا النوع لا يترك أثراً على الجسم، لكنه يقتل الروح، وكم من طفل انتحر بسببه في العالم.
رابعاً: المتنمر نفسه.. ضحية قبل أن يكون جلاداً
دعونا لا نكون قساة فقط على المتنمر الصغير. كثير من المتنمرين هم في الأصل ضحايا. طفل يتعرض للضرب والإهانة في بيته من أبيه، يخرج ليفرغ هذا الغضب على طفل أضعف منه في المدرسة. طفل مدلل دلالاً زائداً يظن أن كل شيء مباح له. طفل يريد أن يثبت رجولته أمام الشلة فيختار أضعف واحد ليكون بطلاً عليه.
إذا لم نوقفه، فاليوم يتنمر على طفل، وغداً سيتنمر على زوجته، وبعد غد سيصبح مديراً يتنمر على موظفيه، وسيصبح مواطناً يتنمر على القانون. طريق الجريمة يبدأ دائماً بخطوة صغيرة اسمها حقارة لم تجد من يردعها.
خامساً: الحل.. كيف نحمي أطفالنا من أن يكونوا ضحايا أو جلادين؟
المسؤولية تبدأ من البيت:
1. ازرعوا الثقة لا الطاعة العمياء: الطفل الواثق لا يُستهدف. علمه أن يقول لا، أن ينظر في عين من يحدثه، أن يرفع صوته. لا تقل له اسكت، بل قل له تكلم.
2. التدريب العملي على الدفاع: ليس بالضرورة أن يضرب، لكن أن يدافع. سجلوا أطفالكم في رياضة قتالية، كاراتيه، جودو، ملاكمة. الرياضة تعطي الطفل هيبة. المتنمر لا يقترب من طفل يعرف أنه يستطيع الدفاع عن نفسه.
3. افتحوا باب الحكي: أخطر ما يفعله الطفل المتنمر عليه هو الصمت خوفاً من الفضيحة. اجعلوا البيت آمناً للحكي. اسألوا طفلك كل يوم: هل ضايقك أحد اليوم؟ هل أخذ أحد حاجتك؟ هل ضحك عليك أحد؟
4. علموه فن الرد الذكي: ليس كل رد هو الضرب. أحياناً جملة واحدة حازمة: ما تسمح لنفسك تتكلم معاي كده، كفيلة بأن تسكت المتنمر إلى الأبد. المتنمر جبان، إذا وجد مقاومة، ينسحب.
5. لا تكونوا أنتم المتنمر الأول: بعض الآباء والأمهات يمارسون التنمر على أطفالهم وهم لا يشعرون: يا غبي، يا بليد، شوف ولد خالتك أشطر منك. أنت أول من يكسر ثقة طفلك، فلا تلوم المتنمرين في الخارج.
ختاماً:
يا سادتي، الحقارة ليست صفة عابرة، بل هي بذرة شر. والتنمر ليس هزاراً، بل هو جريمة نفسية مكتملة الأركان.
أوقفوا الحقارة في المدرسة قبل أن تتحول إلى حقد في الجامعة، وإلى جريمة في سوق العمل، وإلى انتقام يدمر مجتمعاً كاملاً.
الطفل الذي نحميه اليوم من كلمة جارحة، نحمي منه المجتمع غداً من رجل حاقد يريد أن ينتقم من كل الناس لأن أحدهم حقره وهو صغير.
لا تتركوا أطفالكم لقمة سائغة للمتنمرين. علموهم أن الكرامة لا تُشترى، وأن من يفرط في كرامته صغيراً، سيعيش ذليلاً كبيراً.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com




