Uncategorized
من يردع جشع التجار الانتهازيين؟ بقلم: علاء الدين محمد ابكر

من يردع جشع التجار الانتهازيين؟
بقلم: علاء الدين محمد ابكر
بكل أسف وحسرة، حول ضعاف النفوس من التجار الانتهازيين مهنة التجارة والبيع والشراء، وهي مهنة شريفة ذكرها القرآن الكريم وباركها، وحث عليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”، حولها هؤلاء إلى مهنة غير أخلاقية ولا إنسانية، تقوم على استغلال الأزمات والكوارث والتربح الفاحش والحرام على حساب البسطاء والفقراء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالله.
إن ما يحدث اليوم في أسواق السودان لم يعد تجارة بالمعنى المعروف، بل أصبح حربا مفتوحة وقذرة ضد المواطن المسكين، حربا يقودها تجار لا ضمير لهم ولا وازع ديني يردعهم ولا أخلاق تمنعهم من مص دماء الناس ونهش لحومهم أحياء.
فكل أزمة تمر بها البلاد، سواء كانت حربا أو سيولا أو جفافا أو حتى مجرد شائعة يطلقها أحدهم في قروب واتساب، تجد هؤلاء الجشعين أول من يرفع الأسعار ويخفي السلع ويغلق مخازنه ويحتكر قوت الناس ليبيعه لهم بعد أيام بأضعاف مضاعفة. يخزنون الدقيق والسكر والزيت والدواء، ثم يخرجونه قطرة قطرة ليتحكموا في السوق ويفرضوا السعر الذي يريدون.
والسؤال المر والمؤلم الذي يفرض نفسه بقوة على كل مسؤول شريف في هذا البلد: من يردع جشع هؤلاء؟ ومن يحمي المواطن المسكين من سكينهم التي لا ترحم ولا تعرف الرحمة؟ أين الدولة؟ أين الحكومة؟ أين وزارة التجارة؟ أين جهاز حماية المستهلك؟ أين نيابة الجشع والاحتكار؟
إن بلدا مثل السودان، يعيش ظروف حرب طاحنة ونزوح بالملايين وانهيار اقتصادي غير مسبوق وتضخم يأكل الأخضر واليابس، لا تصلح فيه أبدا سياسة تحرير الأسعار والاقتصاد الحر التي يتحدث عنها خبراء المكاتب المكيفة، فهذه السياسة الاقتصادية قد تصلح في سويسرا أو سنغافورة، لكنها لا تصلح إطلاقا في بلد أكثر من 70% من سكانه تحت خط الفقر، و90% منهم لا يملكون قوت يومهم.
السودان في هذه المرحلة التاريخية الحرجة يحتاج إلى تدخل الدولة بقوة وبشكل مباشر، ويحتاج إلى احتكار الدولة للمواد التي تدخل في طعام وعلاج وكساء المواطن، فهذه ليست سلعا كمالية، هذه حقوق أساسية وخط أحمر لا يجب أن يترك للمضاربات.
وهنا أطرح فكرة قد تبدو غريبة للبعض لكنها في الحقيقة قابلة للتنفيذ إذا وجدت الإرادة السياسية، وهي فكرة ظللت أنادي بها منذ سنوات:
لماذا لا تنشئ الدولة هيئة حكومية قومية سيادية لاستيراد السلع الاستراتيجية؟ هيئة تتبع مباشرة لمجلس السيادة أو مجلس الوزراء، مهمتها الوحيدة استيراد القمح والدقيق والسكر واللبن واللحوم والزيت والدواء وتوزيعها للمواطن بسعر مدعوم ومحدد ومراقب؟ هيئة لا تهدف للربح، بل تهدف لحماية المواطن وكسر احتكار التجار.
بل أذهب أبعد من ذلك وأقول: لماذا لا نبرم اتفاقيات مقايضة استراتيجية كبرى مع دول عملاقة في إنتاج الغذاء في العالم مثل أستراليا وكندا والبرازيل؟
الفكرة ببساطة: نمنح هذه الدول العملاقة أراضي شاسعة على ساحل البحر الأحمر، لتكون بمثابة مخازن استراتيجية ومناطق صناعية ولوجستية وتجارية حرة قريبة جدا من أسواق الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. هذه الدول تبحث عن موطئ قدم بالقرب من باب المندب وقناة السويس، ونحن نبحث عن غذاء لشعبنا.
مقابل هذا الامتياز الاستراتيجي، يحصل السودان بشكل مباشر ومستمر ومتفق عليه بعقود طويلة الأجل على المحاصيل والسلع أعلاه بأسعار تفضيلية وتكلفة إنتاج فقط، دون وسطاء ودون سماسرة.
بهذه الطريقة نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، بل بعشرة أحجار: استفدنا من موقعنا الاستراتيجي الذي لا يقدر بثمن على البحر الأحمر، ووفرنا غذاء شعبنا دون المرور عبر وسيط جشع يضاعف السعر عشر مرات، وجلبنا استثمارات ضخمة، وخلقنا وظائف لشبابنا، وحولنا البحر الأحمر إلى مركز إمداد غذائي عالمي.
وبهذه الطريقة فقط يمكن للدولة أن تدعم المواد الغذائية للمواطن بشكل مباشر وحقيقي، دون أن تذهب أموال الدعم لجيوب التجار الفاسدين كما كان يحدث في السابق.
إن التجار الجشعين لا ضمير لهم، ولا ينفع معهم الوعظ والإرشاد ولا المناشدات الأخلاقية، فمن لا يخاف الله في قوت اليتامى والمساكين لن يخاف من مقال أو خطبة جمعة. الحل الوحيد والوحيد لردعهم هو أن تدخل الدولة كمنافس قوي وشرس لهم، أن تفتح مخابز حكومية ضخمة في كل حي، ومتاجر حكومية تبيع اللحوم واللبن والسكر، ومجمعات استهلاكية حكومية تبيع للمواطن بالسعر الحقيقي، حينها فقط سيرضخ التجار الجشعون لقانون السوق الحقيقي، وسيضطرون لخفض أسعارهم مرغمين أذلاء.
اليوم أصبح الحصول على رغيف الخبز هما كبيرا يؤرق كل أسرة سودانية، ناهيك عن كيلو اللحم الذي تجاوز سعره كل الحدود وأصبح حلما مستحيلا، واللبن الذي صار رفاهية لا يقدر عليها إلا الأغنياء، والسكر الذي تضاعف سعره بشكل جنوني لا يمكن تبريره. هذا الارتفاع ليس طبيعيا وليس بسبب الدولار وحده، بل هو ارتفاع مصطنع بفعل الجشع والاحتكار وغياب الرقابة.
والحلول كثيرة ومتاحة لمن يملك الإرادة الوطنية الصادقة، منها إحياء وتفعيل مشاريع الأمن الغذائي في كل ولاية من ولايات السودان، مشروع قومي لكل ولاية لإنتاج اللحوم عبر تربية الأبقار والضأن والماعز والدواجن والأسماك في مزارع نموذجية حكومية، إضافة إلى زراعة الخضر والفاكهة بشكل جماعي منظم تحت إشراف وزارات الزراعة الولائية.
فالسودان ليس بلدا فقيرا والله، السودان بلد غني جدا جدا، يملك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وملايين الرؤوس من الماشية، ونيلين، وأمطار، وبحر أحمر، وذهب، لكنه مبتلى بتجار لا يشبعون ومسؤولين لا يردعون وسماسرة لا يخافون الله.
إن حماية قوت المواطن هي من صميم الأمن القومي للدولة، ومن يتلاعب بقوت الناس ويحتكر طعامهم يجب أن يحاكم بتهمة الخيانة العظمى وتقويض النظام الدستوري، لا بتهمة تجارية عادية تنتهي بغرامة هزيلة.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



