Uncategorized

السودان وروسيا.. لقاء العملاقة بقلم: علاء الدين محمد أبكر

السودان وروسيا.. لقاء العملاقة

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

روسيا ليست دولة عادية، إنها دولة عظمى بكل ما تحمل الكلمة من معنى، دولة تزن خطواتها بدقة متناهية، ولا تمنح صداقتها بالسهل، ولا تصادق إلا الدول ذات الثقل الحقيقي في معادلة السياسة الدولية، الدول التي تملك مفاتيح الجغرافيا والتاريخ معاً. ولذلك فإن اختيارها للسودان كشريك استراتيجي لم يأت من فراغ، بل لأن السودان بالنسبة لروسيا دولة مهمة جداً ومحورية بامتياز.

السودان يحتل موقعاً استراتيجياً يندر أن تجتمع خصائصه في دولة واحدة، فهو قلب إفريقيا النابض وجسر العرب إلى إفريقيا وبوابة إفريقيا إلى العالم العربي، ويطل بساحل ممتد لأكثر من سبعمائة كيلومتر على البحر الأحمر، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره أكثر من اثني عشر بالمائة من التجارة العالمية. من يسيطر على ساحل السودان يسيطر عملياً على باب المندب وقناة السويس ويتحكم في أمن الطاقة العالمي. وروسيا كقوة بحرية عالمية تبحث عن مياه دافئة ومنفذ استراتيجي منذ عهد القياصرة وجدت ضالتها في سواحل السودان، وإنشاء قاعدة لوجستية أو نقطة دعم بحري في بورتسودان ليس مجرد اتفاق عسكري عابر، بل هو تحول جيوسياسي يغير موازين القوى في المحيط الهندي والبحر الأحمر ويكسر طوق الحصار الغربي المفروض على موسكو.

والسودان بلد عملاق نائم وقارة مصغرة حباها الله بكل شيء، هو سلة غذاء العالم التي لم تفتح بعد بملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ونهر النيل وروافده، وهو أرض الذهب حيث ينتج عشرات الأطنان سنوياً، ويجلس على احتياطيات ضخمة من اليورانيوم والنحاس والكروم والنفط والغاز. وروسيا هي العملاق الصناعي والتكنولوجي والعسكري، هي أكبر دولة مصدرة للقمح في العالم وتمتلك أعقد الصناعات العسكرية من مقاتلات سوخوي إلى منظومات إس أربعمائة وتمتلك الخبرة النووية والصناعية. المعادلة بسيطة ورابحة للطرفين، فالسودان يقدم الموارد والموقع والعمق الإفريقي، وروسيا تقدم التكنولوجيا والسلاح والاستثمار والحماية السياسية في مجلس الأمن بحق النقض الفيتو، السودان يمكن أن يصبح الحليف الذي يؤمن لروسيا الأمن الغذائي والمعادن النادرة، وروسيا يمكن أن تكون الشريك الذي ينقل السودان من دولة تستهلك إلى دولة تصنع، ومن دولة تستورد القمح إلى دولة تصدره، ومن دولة تستورد السلاح إلى دولة تصنعه.

ورغم كل المتاريس والمؤامرات والحروب التي فرضت على السودان إلا أن الدولة حتى الآن صامدة وشامخة لم تسقط ولم تنكسر، وسر هذا الصمود هو الجيش السوداني. الجيش السوداني ليس جيشاً عادياً إنه مدرسة قتالية فريدة في العالم، جيش يستطيع القتال تحت كل الظروف في صحراء الشمال الحارقة وفي جبال النوبة الوعرة وفي غابات الجنوب وفي وحل الجزيرة، جيش قاتل لعقود في كل التضاريس ولم يهزم، وهذا ما يخيف الأعداء ويرعبهم، فالعقيدة القتالية للجندي السوداني لا تقارن، جيشنا لا تقف أمامه جبال ولا تلال ولا بحر ولا نهر، إذا عزم توكل على الله ومضى. ولذلك فإن تحالف هذا الجيش الصلب صاحب الخبرة الميدانية الطويلة مع الجيش الروسي صاحب التكنولوجيا العسكرية الأحدث في العالم سيخلق قوة ردع إقليمية لا يمكن لأحد أن يتجاوزها.

إن لقاء السودان وروسيا ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، إنه لقاء العملاقة، لقاء التاريخ بالجغرافيا والموارد بالتكنولوجيا والإرادة بالقوة. السودان بلد عملاق وقادر على النهوض متى ما وجد الاستقرار والدعم الحقيقي من حليف لا يبتزه ولا يساومه على سيادته مثل روسيا، وروسيا وجدت في السودان الحليف الصادق الذي لا يخون ولا يبيع المواقف في المزاد العلني. إنه تحالف سيعيد رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر وإفريقيا وسيؤكد للعالم أن زمن القطب الواحد قد انتهى وأن للسودان كلمة ولروسيا موقف وللعملاقين معاً مستقبل واعد.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.

مقالات ذات صلة

إغلاق