Uncategorized
أهمية الحدائق العامة بقلم: علاء الدين محمد أبكر

أهمية الحدائق العامة
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
هل فكرت يوماً لماذا يشعر الإنسان بالاختناق وهو داخل بيته؟ لماذا يخرج الرجل بعد المغرب ليجلس أمام الدكان، ولماذا تتجمع النساء في الشارع، ولماذا يلعب الأطفال في نص الطريق رغم خطورة السيارات؟
الجواب بسيط: لأننا صادرنا متنفسهم الطبيعي. صادرنا الحديقة العامة.
في كل دول العالم المتحضرة، من لندن إلى إسطنبول إلى القاهرة، تعتبر الحديقة العامة هي الرئة الحقيقية للمدينة. ليست مجرد أشجار وزهور، بل هي مؤسسة اجتماعية ونفسية وصحية متكاملة.
تلعب الحدائق العامة أدواراً لا يمكن لأي مؤسسة أخرى أن تلعبها:
أولاً: الجانب النفسي والصحي:
الإنسان الذي يعيش في منزل ضيق مكتظ، بين أربعة جدران، مع انقطاع الكهرباء وضجيج الجيران، يحتاج أن يخرج. الحديقة تتيح له فرصة الاختلاء بنفسه، أن يجلس وحده تحت شجرة، أن يقرأ كتاباً، أن يكتب خاطرة، أن يبكي دون أن يراه أحد، أو أن يضحك مع نفسه. الأطباء النفسيون يقولون إن 30 دقيقة يومياً في مكان أخضر كفيلة بتخفيض ضغط الدم والقلق والاكتئاب.
ثانياً: الجانب الاجتماعي والأسري:
الحديقة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن تجتمع فيه الأسرة الفقيرة مجاناً. لا تحتاج أن تدفع فاتورة مطعم أو مقهى. تأخذ شايك وخبزك وتجلس. يلعب الأطفال بأمان بعيداً عن الشارع، ويتبادل الكبار الأحاديث. هي التي تعيد الدفء للأسرة التي فرقتها ضيق المنازل.
ثالثاً: الجانب التعليمي:
كم من طالب فقير لا يملك غرفة خاصة للمذاكرة، ولا كهرباء ليلاً، ولا هدوءاً في البيت؟ هؤلاء كانوا يجدون في الحدائق العامة نور النهار وهدوء الطبيعة لمراجعة دروسهم. كم من أديب وكاتب سوداني كتب أولى قصائده على مقعد في حديقة؟ الحديقة هي جامعة مفتوحة مجانية.
رابعاً: الجانب الأمني والأخلاقي:
عندما لا يجد الشباب مكاناً نظيفاً ومجانياً ومضاءً ومزوداً بالإنترنت، أين سيذهبون؟ سيذهبون حتماً إلى أماكن مشبوهة، إلى أطراف المدينة المظلمة، إلى جلسات غير مفيدة. الحديقة العامة النظيفة المجهزة بالإنترنت المجاني والملاعب الصغيرة والمكتبة المفتوحة هي أقوى سلاح لمحاربة انحراف الشباب والمخدرات والجريمة.
ماذا كان عندنا وماذا فقدنا؟
في السابق، كانت الخرطوم مدينة الحدائق. كانت لدينا حدائق الشعب التي كانت تضاهي حدائق لندن في جمالها، وشواطئ النيل الساحرة عند غابة السنط حيث يلتقي الأزرق بالأخضر، وفي بحري كانت حدائق عبود التي شهدت أجمل ليالي الأسرة السودانية، وفي أم درمان حدائق الموردة وأم درمان التي كانت تصدح فيها حفلات الحقيبة.
اليوم، ماذا بقي منها؟ بقيت أطلال. بعضها تحول إلى استثمار، وبعضها أهمل، والأخطر أن أغلبها أصبح الدخول إليه بالنقود. هل يعقل أن يدفع المواطن المنهك ثمناً لكي يتنفس؟ أن يدفع لكي يجلس تحت شجرة زرعتها الدولة من ماله العام؟ هذا قرار خاطئ يحرم الفقير من أبسط حقوقه.
إننا اليوم نرى مشهداً مؤلماً: شباب يجلسون على حافة الطريق، رجال يفترشون الأرض أمام بائعات الشاي، أطفال يلعبون بين السيارات. ليس لأنهم يحبون هذا، بل لأنه لا يوجد بديل. المنازل لم تعد تصلح إلا للنوم، والشوارع لا تصلح للجلوس، فأين يذهب الناس؟
لذلك، فإننا نطالب بخطة قومية عاجلة لإحياء الحدائق العامة، تقوم على الآتي:
1. إنشاء إدارة قومية خاصة بالحدائق العامة، مهمتها التخطيط لإنشاء حديقة عامة كبيرة في كل محلية وحي.
2. أن تكون الحدائق مجانية الدخول تماماً، وتعمل 24 ساعة، مع حراسة وإنارة.
3. تزويدها بالإنترنت المجاني، وهذا سيحولها من مكان للجلوس فقط إلى مكان للعمل والدراسة والبحث.
4. زراعتها بأشجار ظليلة ومثمرة، وتوفير مقاعد حجرية ثابتة، وملاعب أطفال، ودورات مياه نظيفة.
5. إشراك المجتمع المحلي في نظافتها وحمايتها.
إن تكلفة إنشاء حديقة عامة أقل بكثير من تكلفة بناء مستشفى للأمراض النفسية، وأقل من تكلفة محاربة الجريمة، وأقل من تكلفة إصلاح جيل كامل أصيب بالاكتئاب بسبب الاختناق.
دعونا نعيد للخرطوم وأم درمان وبحري ولكل مدن السودان رئتها الخضراء. دعونا نعيد للمواطن البسيط حقه في أن يجلس تحت شجرة دون أن يمد يده إلى جيبه.
الحديقة ليست ترفاً، الحديقة هي حق الحياة.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com




