Uncategorized
عبد الكريم ابراهيم يكتب: السامراب والدريشاب وأم ضريوة ودردوق… أسر وذاكرة في قلب الحلفاية

عبد الكريم ابراهيم يكتب: السامراب والدريشاب وأم ضريوة ودردوق… أسر وذاكرة في قلب الحلفاية
حرفة الرعي مهنة راسخة في التاريخ الإنساني ، ارتبطت بالأنبياء و بسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي رعى الغنم في صغره ، لما فيها من إعداد للقيادة و تعلم الصبر والأمانة ، وهي الصفات التي جعلت السيدة خديجة رضي الله عنها تختاره ليعمل معها في تجارتها ، ثم لتتزوجه بعد أن خبرت صدقه وأمانته ، فكان زواجهما بدايةً لبيتٍ مبارك رزق منه أبناءه وبناته . و مجتمعات الرعاة ارتبطت و عرفت بالأمانة والوفاء ، وحلفاية الملوك واحدة من المناطق التي عرف ابناءها حرفة الرعي بجانب الزراعة ٠ أحاط بها النيل من الغرب و قرى الرعاة من الشرق و تداخلت مع أهلها اسر عديدة عملت بها وفدت إليها من السامراب ، الدريشاب ، أم ضريوة ودردوق منذ بداية القرن الماضي . شكلت مسرحًا لتاريخ طويل من التماذج الإجتماعي والإقتصادي ، وملتقىً لأسر رعوية جاءت تحمل معها خبرة الرعي و تربية المواشي والألبان والزراعة ، ثم اندمجت بالمصاهرة والتزاوج مع أهل الحلفاية لتصبح جزءًا أصيلًا من نسيجها الإجتماعي . ومن بين هذه الأسر اللامعة برزت أولًا أسرة علي ودريش ، الذين ارتبط اسمهم بالرعي وإنتاج الألبان ، وكان جدهم ودريش رمزًا للحكمة والكرم ، يُستشار في المجالس ويُذكر في المناسبات . أبناء هذه الأسرة تزاوجوا مع أسر عديدة بالحلفاية وأصبحوا جزءًا من ذاكرة الكرم في الحلفاية ، حيث كان اللبن والسمن يُوزعان في الأعياد كرمزٍ للعطاء . بل إنهم كانوا يوردون اللبن ربما قبل أولاد سمرة أنفسهم ، وحملت منطقة الدريشاب اسمهم قبل أن يُحرّفها الناس إلى “الدروشاب” . ثم جاءت أسرة الطيب أحمد سمرة ، التي اشتهرت بالرعي وإنتاج اللبن والزراعة أيضًا ، وكان لها حضور بارز في الأسواق والمناسبات. إلى جانبهم أسرة الحوري القادمة من أم ضريوة ، والتي تميزت بالنشاط في الزراعة والرعي معًا، وامتلكت قطعان أبقار كبيرة ، وكان أفرادها يوزعون اللبن على البيوت والأسواق في الحلفاية ، حتى صار اسمهم مرادفًا للوفاء والجدية. ومن دردوق جاءت أسرة عبد الله ودبرق، بارعة في تربية الأغنام والإبل ، وارتبط اسمها بالكرم في الأعراس والمناسبات ، حيث كانوا يذبحون الأغنام ويوزعون اللحوم على الناس. تزاوجوا وتصاهروا أيضًا فأصبحوا جزءًا من المجتمع المحلي، وحُفظت سيرتهم في الأغاني الشعبية التي تُغنى عن الرعاة والماشية.كما لا ننسى أسماء أخرى مثل قسم الغول ، عبد المحمود الكرار ، البلولة طه إبراهيم ، وأحمد شيخ الشبلة الذي ينتسب إلى جدهم ودمولى المدفون في مقبرة كبيرة بارزة بالصوارد ، وهو من تلاميذ الشيخ إبراهيم الكباشي. ومن النساء برزت أسماء مثل فاطمة بت العوض بت عتيق وأختها الجاز ، اللتان اشتهرتا بتوزيع اللبن والروب ، فكانتا عنوانًا للكرم النسائي في ذاكرة المكان.لقد لعبت هذه الأسر دورًا اقتصاديًا مهمًا في إمداد الأسواق باللحوم والألبان ، وأسهمت في تعزيز التكافل الإجتماعي عبر المصاهرة والمشاركة في الوقف وبناء المساجد. كما ارتبطت بالذاكرة الشعبية من خلال القصص والأغاني التي تمجد الرعاة ، فأصبحت جزءًا من الهوية الثقافية للحلفاية. إنهم لم يكونوا مجرد رعاة ، بل كانوا بناةً للروابط الإجتماعية، وحملةً لقيم الكرم والتكافل ، وصوتًا حيًا لذاكرة المكان.إن أسر علي ود دريش ، الطيب أحمد سمرة ، الحوري ، وعبد الله ودبرق وغيرها ، كما ذكرنا نقلاً عن ابنه علي الطيب سمرة وبحضور ومساهمة ابن عمنا محمد القاسم الشيخ العوض نابري وعدد من رموز الحلفاية ، جسّدت معنى الانتماء الحقيقي ، حيث امتزجت جذور الدريشاب ، السامراب ، أم ضريوة ودردوق بتراب الحلفاية . كيف لا، وقد أقام جدنا العوض نابري عددًا من الآبار في السامراب ومنطقة البيضاء منذ عقود خلت ، ليصنع لوحةً إنسانيةً بديعةً من الكرم والتواصل . ومن نسبهم الممتد شاهدًا على أن الحلفاية كانت وما زالت أرضًا جامعةً للوفاء والتاريخ، وصورًا للتمازج القومي في السودان كما سطر بذلك البروف عون الشريف قاسم في كتابه المعروف عن حلفاية الملوك (من صور التمازج القومي في السودان ) .إن هذه الأسر العتيقة ليست مجرد أسماء ، بل هي صفحات مضيئة في كتاب الذاكرة الشعبية ، تُقرأ لا لتسترجع الماضي فحسب ، بل لتلهم الحاضر وتضيء الطريق نحو المستقبل. ، ومن نسبهم الممتد جسرًا للتواصل، ومن الحلفاية أرضًا جامعةً للوفاء والتاريخ ، لتبقى شاهدةً على أن الكرم والتكافل هما سرُّ بقاء المجتمعات حيّةً نابضةً.



