Uncategorized

نقطة ضوء💡 _الأسماء المستعارة على الواتساب والفيسبوك: فلسفة حرية أم هروب من المجتمع؟_ ✍️سفيان عبد الغفار ابو محمد

نقطة ضوء💡
_الأسماء المستعارة على الواتساب والفيسبوك: فلسفة حرية أم هروب من المجتمع؟_
✍️سفيان عبد الغفار ابو محمد
في زمنٍ صار فيه “الاسم” هوية رقمية قبل أن يكون اسماً في شهادة الميلاد، اختار كثيرون أن يخفوا أسماءهم الحقيقية. “ملك القلوب”، “صقر الجبال”، “عابرة سبيل”، “مجهول”. أسماء تملأ قوائم الواتساب والفيسبوك. فهل هذا الاختيار فلسفة عميقة في فهم الحرية؟ أم أنه خوف صامت من مجتمع لا يرحم؟
الوجه الأول: فلسفة… الحرية في أن تكون أنت دون قيود
هناك من يرى في الاسم المستعار تحراً. تحراً من سطوة العائلة، ومن أحكام الأصدقاء، ومن “ماذا سيقولون عني”.
الإنترنت منحنا مساحة نادرة: أن نتحدث دون أن يُحاكم ماضينا، أو تُقاس كلماتنا بمنصب أبينا أو قبيلتنا.
الكاتب يكتب، والناقد ينتقد، والناشط يدافع عن قضية، دون أن يُسحب إلى معركة شخصية.
إنها فلسفة تقول: “حاكموني بفكري لا باسمي”. وهذا ما فعله كبار الأدباء قديماً حين استخدموا الأسماء المستعارة ليقولوا الحقيقة في وجه السلطة.
في هذا المعنى، الاسم المستعار درع للفكرة، لا قناع للجبن.
الوجه الثاني: الخوف… مجتمع يصادر ويُشهر
لكن لنكن صادقين. جزء كبير من هذا الإخفاء سببه الخوف.
خوف الفتاة من أن تُتهم في شرفها لمجرد أنها علقت على منشور سياسي.
خوف الموظف من أن يفقد وظيفته لأنه انتقد الفساد.
خوف الشاب من أن تُلاحقه “سمعة” كلمة قالها في لحظة غضب لسنوات.
مجتمعاتنا ما زالت تخلط بين الرأي والشخص، وبين النقد والعداء. كلمة واحدة قد تتحول إلى حملة تشهير، وصورة قد تصبح سلاحاً للابتزاز.
لذلك يختبئ الناس. لا لأنهم ضعفاء، بل لأن الثمن غالٍ جداً. الخوف هنا ليس جبناً، بل غريزة بقاء في بيئة لا تؤمن بثقافة الاختلاف.
الوجه الثالث: الازدواجية… بين النور والظلام
المشكلة أن هذا القناع له وجهان.
الوجه الأول مضيء: أتاح لضحايا التحرش أن يتحدثوا، وللمبدعين أن يظهروا، وللمظلومين أن يصرخوا دون أن تُكسر عظامهم.
والوجه الثاني مظلم: أتاح للمتنمرين أن يجلدوا، وللشائعات أن تنتشر، وللعصابات أن تحتال باسم “مجهول”.
حين يغيب الاسم الحقيقي، تغيب المسؤولية أحياناً. فيصبح البعض شجاعاً في الشتم، جباناً في المواجهة. وهذا هو الفخ.
نقطة الضوء: لسنا بحاجة لأسماء، بل لثقافة
السؤال الحقيقي ليس “لماذا يخفون أسماءهم؟” السؤال هو: “لماذا يشعرون بالحاجة للإخفاء؟”
لو كان مجتمعنا يحتضن الاختلاف، ويحمي حرية التعبير، ويعاقب المسيء بالقانون لا بالتشهير، لما احتاج نصف الناس للأسماء المستعارة.
الاسم الحقيقي وحده لا يصنع الصدق، والاسم المستعار وحده لا يعني الكذب. هناك صادقون بأسماء وهمية، ومنافقون بأسماء عائلات عريقة.
الخلاصة:
حجب الاسم ليس فلسفة مطلقة، ولا خوفاً مطلقاً. هو مرآة.
مرآة تعكس لنا حالنا. إذا كانت تعكس حرية، فلنحرسها. وإذا كانت تعكس خوفاً، فلنعالج سببه.
في النهاية، لن تبني الأوطان “الأسماء” بل “الأفعال”. وما أحوجنا في هذا الزمن إلى شجاعة قول الحق، سواء كنا “أحمد” أو “عابرة سبيل”.
لأن الوطن لا يُبنى بالألقاب، بل بالمواقف.
ولأن أجمل نقطة ضوء هي أن يأتي يوم نكتب فيه بأسمائنا الحقيقية، وننام ونحن مطمئنون أن الكلمة لن تذبح صاحبها.

مقالات ذات صلة

إغلاق