Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب : مجرد حلم

علاء الدين محمد ابكر يكتب : مجرد حلم
أغمض عيني ولا أرى خرائط. لا أرى خطوطاً حمراء تفصل بلداً عن بلد، ولا جوازات سفر، ولا نقاط تفتيش. أرى كوكباً واحداً، بيتاً واحداً كبيراً سقفه السماء، وأرضه للجميع.
أحلم أن يستيقظ كل طفل ويجد فطوره ينتظره. خبز دافئ، وحليب، وفاكهة. أحلم أن تدخل كل أم المطبخ وهي مبتسمة، لا وهي تحسب كم بقي من الدقيق. أن تمتلئ الأسواق بالخير، وتفيض الحقول، وتُوزع النعمة بعدل. فلا أحد ينام وجوعه يقرصه، ولا أحد يرمي الطعام بينما جاره يتضور.
أحلم بشوارع نظيفة من الخيام ومن الكراتين. أن نجد حلولاً للمشردين لا بالشفقة، بل بالكرامة. بيوت صغيرة لكل عائلة، بباب يُغلق، وبنافذة يدخل منها الضوء. عمل كريم لكل يد، وعلاج لكل مريض، ويد تمتد لتقول: “تعال، لك مكان معنا”.
أحلم أن ننام ونحن مطمئنون. لا خوف من الحرب، ولا خوف من الغد، ولا خوف من الفاتورة. أحلم أن يضحك الناس في المواصلات، وأن يتصافح الجيران، وأن يسأل الغني عن الفقير لأنه أخوه. أحلم أن نرى السعادة الحقيقية في وجوه الناس.
أحلم بمدارس بلا رسوم، وجامعات بلا ديون، ومكتبات مفتوحة على الدوام. أن يدرس ابن الفلاح فيزياء، وبنت الراعي طباً، وطفل المخيم هندسة، دون أن يسألهم أحد “معك كم؟” لأن أغبى جريمة نرتكبها هي أن نبيع العقل لمن يدفع، ونجوع من لا يملك.
أحلم بحدائق عامة في كل حي. أشجار تظلل، ونوافير تغني، ومقاعد يجلس عليها العجوز ليحكي، والطفل ليلعب. حدائق يدخلها الجميع دون مقابل. لأن الهواء والشمس والظل ليست ملكاً لأحد.
أحلم بأن تُحترم كل المهن، بلا استثناء. فلا نحتقر عامل النظافة، بل نرفع له القبعة. هو الذي يتحمل أوساخنا ليمنحنا مدينة نظيفة، وهو الذي يبدأ يومه قبل الفجر ليوقظنا على شوارع ناصعة. له التقدير الأول، لأن كرامة العمل في العمل نفسه، لا في الاسم ولا في الراتب.
أعرف أن الشر لن يختفي تماماً من على وجه الأرض. ولكن يمكننا أن نحد منه باجتثاث جذوره وأسبابه. فلن نجد لصاً سرق لأنه جائع. ولن نجد شاباً انحرف لأنه يائس وعاطل. عندما نشبع البطون، ونعلم العقول، ونعطي العمل، ونعالج القلب المكسور، سنقتلع معظم أسباب الجريمة.
أحلم أن تكون كرامة الإنسان خطاً أحمر لا يتجاوزه أحد. لا سجون للرأي، ولا اعتقال بلا سبب، ولا تمييز بسبب لون أو دين أو جنس. أن يكون لكل إنسان صوت مسموع، وحق في الحياة، وحق في أن يختار طريقه دون خوف. أن نعامل بعضنا كما نحب أن نُعامل، لأننا قبل كل المسميات بشر.
أحلم بمدارس بلا سخرية، وأماكن عمل بلا إذلال، وشوارع بلا تنمر على الضعيف أو المختلف أو الفقير. أحلم أن يسود التواضع بين الناس. أن يمشي الغني متواضعاً، والعالم متواضعاً، والحاكم متواضعاً. أن نعرف أن قيمتنا ليست في أرصدتنا ولا في ألقابنا، بل في قلوبنا.
أحلم أن تنتصر الأخلاق على الغرور والفساد. أن يكون الصدق عملة رائجة، والأمانة شرفاً، والرحمة قانوناً. أن يخجل الفاسد من نفسه، ويفتخر النزيه بعمله. أن نربي أطفالنا على “عيب” قبل أن نربيهم على “قانون”. عالم تُقاس فيه عظمة الإنسان بمقدار ما يعطي، لا بمقدار ما يأخذ.
حلمي ليس لوطني الجريح وحده. وطني ينزف، وأحمله في قلبي كل يوم. لكن قلبي اتسع. حلمي لكل سكان الكرة الأرضية. للرجل في نيويورك، والمرأة في دكا، والطفل في جوبا، والعجوز في طوكيو، والشاب في لاغوس، والأم في كراتشي، والعامل في داكار، والطالبة في كينشاسا، والبائع في صنعاء، والطبيب في هافانا، والمعلمة في ليلونغوي.
أحلم بهم جميعاً في الخرطوم وبغداد وصنعاء وغزة ودمشق، وفي نيروبي وأكرا وأديس أبابا وكابول وكولومبو. أحلم بهم في مكسيكو سيتي وليما وبوغوتا وكيتو، وفي جاكرتا ومانيلا ودكا وكتمندو. أن يعيشوا في أمن وسلام، وأن يستيقظوا بلا خوف، ويناموا بلا دموع.
ربما يقولون: هذا مستحيل. وأقول: كل شيء عظيم بدأ بحلم. الطائرة كانت حلماً، والدواء كان حلماً، والحرية كانت حلماً.
أنا لا أملك عصا سحرية. لكني أملك صوتاً، ويدين، وقلباً يرفض أن يعتاد القبح. وسأزرع الحلم، كلمة، وابتسامة، ويد ممدودة.
لأن العالم لا يتغير بين ليلة وضحاها. العالم يتغير عندما يقرر شخص واحد أن يحلم، ثم يقرر شخصان، ثم عشرة، ثم مليون.
وحينها سنستيقظ جميعاً في الصباح الذي حلمنا به.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com




