Uncategorized

الإعلام بين نقل الواقع وصناعة الوعي هل أصبح الصمت جزءًا من المشكلة؟ أميرة موسى (صوت وقضية)

الإعلام بين نقل الواقع وصناعة الوعي
هل أصبح الصمت جزءًا من المشكلة؟

أميرة موسى
(صوت وقضية)

الإعلام ليس مجرد خبر يُنشر أو حدث يُنقل بل هو عين المجتمع وصوته ومساحته التي يطرح من خلالها أسئلته المشروعة. وحين تكون هناك معاناة يعيشها المواطن يوميا فإن تجاهلها لا يجعلها تختفي بل يجعلها تتراكم حتى تصبح أكثر تعقيدا.
ومن بين القضايا التي تستحق أن تجد مساحة أكبر في الإعلام.. قضية الموظف السوداني ذلك الموظف الذي يذهب إلى عمله كل صباح يؤدي واجبه ويتحمل مسؤولياته ثم يعود إلى أسرته وهو يواجه واقعًا اقتصاديا يزداد صعوبة في وقت أصبحت فيه متطلبات الحياة أكبر من قدرة الكثيرين على الاحتمال.
الموظف ليس رقما في كشف المرتبات وليس مجرد اسم في دفتر الحضور والانصراف خلف كل موظف أسرة وأبناء والتزامات واحتياجات أساسية. وعندما يتأخر راتبه أو تتعطل مستحقاته فإن التأثير لا يتوقف عند مكان العمل بل يمتد إلى البيت والسوق والمجتمع كله.
نحن نعلم أن الدولة تمر بظروف استثنائية وأن الحرب أفرزت أعباء اقتصادية وإدارية كبيرة ونقدر حجم المسؤولية التي تتحملها مؤسسات الدولة في هذه المرحلة. لكن في المقابل هل يكفي أن نقول إن الظروف صعبة؟
ألا يحتاج الموظف أيضا إلى أن تكون ظروفه موضع نظر واهتمام؟
إن الموظف الذي يؤدي واجبه في ظروف صعبة ويواصل خدمة المواطنين رغم الضغوط.. يستحق التقدير والإنصاف ويستحق أن تكون مستحقاته واحتياجاته جزءًا من أولويات المعالجة لأن استقرار الجهاز الإداري يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الخدمات التي تقدم للمواطن
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول الحقيقة كاملة.
فليس كل موظف (مظلوما..) وليس كل تقصير يمكن تبريره بالظروف. هناك موظف يؤدي واجبه بأمانة وهناك من أخفق في أداء واجبه وهناك من يتعامل مع الخدمة العامة وكأنها حق شخصي لا مسؤولية ومن غير العدل أن نضع الجميع في خانة واحدة.
الموظف الذي يطالب بحقه يجب أن يتذكر أن عليه واجبا تجاه المواطن والمسؤول الذي يطالب الموظف بأداء واجبه يجب أن يتذكر أن للموظف حقوقا لا ينبغي تجاهلها
فلا يمكن أن نطالب الموظف بمزيد من العطاء… ثم نتجاهل ظروفه المعيشية كما لا يمكن أن نطالب الدولة بتحسين أوضاع العاملين بينما يتعامل بعض العاملين مع واجباتهم باستخفاف.
وهنا يأتي دور( الإدارة) في تحقيق التوازن محاسبة من يقصر في عمله. وإنصاف من يؤدي واجبه فيحب ان لايتساوي من يقوم بواجبه ومن اخفق فيما اوكل اليه ..
وهنا يجب ان يأتي دور الإعلام.

أين القلم الذي يطرق أبواب المؤسسات ويسأل: ماذا يحدث؟

أين التحقيقات التي تبحث عن أسباب تأخر المستحقات؟

أين المسؤول الذي يخرج إلى الناس ويوضح لهم الواقع كما هو؟

وأين المساحة التي يُسمع فيها صوت الموظف لا باعتباره متذمرا وإنما باعتباره جزءا من منظومة الخدمة العامة؟
ولماذا لا تتحرك الأقلام من أجل المطالبة بتحسين أوضاع العاملين وزيادة المرتبات بما يتناسب مع الظروف المعيشية والعمل على صرف المستحقات المتأخرة حتى إن تعذر صرفها كاملة،..؟؟ من خلال حلول مرحلية أو دفعات مجزأة تحفظ للموظف جزءًا من حقه وتخفف عنه أعباء المعيشة؟
فالمطالبة بصرف المستحقات وتحسين الأجور ليست دعوة للفوضى.. وليست انتقاصا من جهود الدولة وإنما هي (طرح لقضية معيشية) تمس شريحة واسعة من العاملين وأسرهم.. وتحتاج إلى نقاش جاد ومسؤول يبحث عن الممكن والمتاح في ظل الظروف الراهنة.
الإعلام لا ينبغي أن يكون خصما للدولة، كما لا ينبغي أن يكون صامتا عن معاناة المواطن. دوره أن يضع الحقائق أمام الجميع وأن يمنح المسؤول فرصة للتوضيح وأن ينقل صوت المتضرر وأن يفرق بين المطالبة بالحق وبين التقصير في أداء الواجب.
نحن لا نريد إعلاما يصفق لكل شيء ولا إعلاما يهدم كل شيء. نريد إعلاما يسأل عندما يجب أن يسأل وينقل الحقيقة عندما يجب أن تُنقل ويبحث عن الحل عندما تظهر المشكلة.
إن المواطن يحتاج إلى إعلام يقترب من تفاصيل حياته اليومية والموظف يحتاج إلى صوت ينقل معاناته والدولة تحتاج إلى إعلام مهني يكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
وفي النهاية فإن الإصلاح لا يبدأ بإلقاء المسؤولية على طرف واحد فالدولة مطالبة بالإنصاف والمراجعة والموظف مطالب بالأمانة والانضباط والإعلام مطالب بالشجاعة والمهنية والمواطن مطالب أيضا بأن يكون جزءًا من الحل لا مجرد متلقٍ للشكوى.
فهل أصبح الصمت جزءًا من المشكلة؟

ربما آن الأوان أن( تتحرك الأقلام) وأن تُفتح الملفات بمهنية ومسؤولية وأن يصبح صوت العاملين مسموعا.. وأن تكون زيادة المرتبات وصرف المستحقات المتأخرة ولو بصورة مجزأة وعلى دفعات ضمن القضايا التي تستحق النقاش والمعالجة.
فالموظف يطلب أن يستطيع أن يعيش بكرامة وأن يجد ثمرة عمله تصل إلى أسرته.
فلنكتب من أجل أن تُسمع الحقيقة ولنطالب من أجل أن تُصان الحقوق ولننتقد من أجل الإصلاح، لا من أجل الإدانة.

مقالات ذات صلة

إغلاق