Uncategorized
عصام الصولي يكتب… د. كامل إدريس.. بين عواصف التحديات ورهانات الوطن

د. كامل إدريس.. بين عواصف التحديات ورهانات الوطن
كتب: عصام الصولي
لم يكن الطريق ممهداً، ولا مفروشاً بالورود، أمام البروفيسور كامل إدريس حين قبل أمانة التكليف بتولي منصب رئيس مجلس الوزراء السوداني في مرحلة مفصلية بالغة الدقة والتعقيد. فقد كان يدرك، مسبقاً، أن المهمة لن تكون سهلة، وأن مواجهة تحدياتها أشبه بخرط القتاد، لكنه قبلها مستنداً إلى قوة العزيمة، وصلابة الإرادة، وحب التحدي، فضلاً عن خبراته الدولية الواسعة التي اكتسبها من خلال تسنّمه أرفع المناصب في المؤسسات الدولية، لا سيما توليه منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب ما يختزنه من روح وطنية متقدة، ومؤهلات أكاديمية رفيعة صقلت قدراته في إدارة الشأن العام.
تلك هي الأسلحة والأدوات التي اتكأ عليها البروفيسور كامل إدريس حين قرر قبول هذا التكليف الشاق في بلد مزقته الحرب اللعينة، وأضحى فيه كربان يقود سفينة وسط بحر لُجّيّ متلاطم الأمواج، تتقاذفها العواصف من كل اتجاه. وهي سفينة لا سبيل إلى بلوغ بر الأمان إلا بقيادتها بحكمة واقتدار، وبمنهجية علمية، وبصيرة نافذة، وقدرة على قراءة المشهد واستشراف مآلاته.
ولعلنا نظلم الرجل كثيراً إذا ما حاكمنا أداءه خلال الفترة القصيرة التي أعقبت وصوله إلى المنصب، بمعزل عن الظروف الموضوعية والتعقيدات المتراكمة التي سبقت تشكيل حكومته. فهو ليس ساحراً، ولا ضارباً للمندل، حتى يتمكن من الوفاء بكل استحقاقات المرحلة في وقت وجيز، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية والمرافق الخدمية، وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، جراء حرب مدمرة أتت على الأخضر واليابس، فضلاً عن الأخطاء البنيوية والاختلالات الهيكلية المتوارثة عبر عقود من الزمن.
فالرجل، بما يمتلكه من خبرات دولية وتجارب إدارية راسخة، لم تتح له الظروف بعدُ أن يترجم كامل رؤيته وبرنامجه الذي حمله معه يوم رفع كتاب خطته عقب أدائه القسم. إذ إن مجريات الأحداث، وتقاطعات السياسة، ورياح المؤامرات الخارجية، وحسابات الموازنات التي طغت على المشهد الوطني، إلى جانب التجاذبات بين القوى السياسية الداعمة والمساندة، كلها عوامل أسهمت في تعطيل بعض مسارات خطته المحكمة، وأوجدت أمامه واقعاً معقداً وجد نفسه في ظله يصارع على أكثر من جبهة.
وعلى الرغم من ذلك، استطاع كامل إدريس الحفاظ على قدر من تماسك حكومته، التي حظيت بقبول ملحوظ عند تشكيلها، كما تمكن من ترسيخ حضوره بوصفه رجل الدولة الأول، ونال تقديراً واحتراماً في عدد من العواصم والدول التي زارها. وقد نجح في إحداث اختراقات مهمة في محيط دولي تتسم ملامحه البارزة بالاستقطاب الحاد، وتضارب المصالح، والاستقطاب المضاد.
ولعل أبرز تلك الاختراقات مرافعته القوية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين طرح مبادرته السودانية الرامية إلى وقف الحرب، في خطاب حمل أبعاداً وطنية وإنسانية وسياسية، ووجد أصداءً إيجابية لدى عدد من المنظمات والجهات الإقليمية والدولية، فضلاً عن التفاعل الشعبي الذي صاحب المبادرة، باعتبارها خطوة نحو إنهاء معاناة السودانيين واستعادة الأمن والاستقرار.
إن شخصية البروفيسور كامل إدريس، بما تتسم به من هدوء، وصبر، وأناة، وقدرة على تحمل المحكات الصعبة والتعامل مع التقاطعات المعقدة، شكلت إحدى ركائز استمراره في إدارة شؤون البلاد، رغم ما يعتري أداء بعض مكونات طاقمه المعاون في مجلس الوزراء من قصور، إن لم نقل إخفاقات، أثرت بصورة أو بأخرى في مسار العمل التنفيذي.
كما أن حملات الانتقاد التي تستهدف الرجل، والتي يرى البعض أن سهامها الصدئة تخفي وراءها أجندات سياسية وتآمرية تستهدف شخصه وموقعه، لم تتوقف عند حدود تقييم الأداء، بل تجاوزتها إلى محاولات منظمة لاغتيال شخصيته سياسياً، وتصويره للرأي العام في هيئة الرجل الضعيف والمتردد والفاشل، وصولاً إلى المطالبة برحيله.
غير أن البروفيسور كامل إدريس قابل تلك الحملات بجلد ورباطة جأش، ومضى في أداء مهامه، مستنداً إلى ما يراه واجباً وطنياً تفرضه المرحلة، ومواصلاً بذل الجهد والعمل في سبيل معالجة أزمات البلاد وتخفيف معاناة مواطنيها.
إن الإنصاف يقتضي ألا نختزل تجربة الرجل في إخفاقات هنا أو تعثرات هناك، وألا نغفل حجم التحديات التي تواجهه في دولة أنهكتها الحرب، واستنزفت مواردها، وأثقلت كاهل شعبها الأزمات المتلاحقة. فالحكم على التجارب الوطنية الكبرى لا ينبغي أن يكون رهين الانطباعات العابرة أو الحملات الإعلامية، بل يجب أن يستند إلى قراءة موضوعية للواقع، وموازنة عادلة بين الإمكانات المتاحة وحجم التحديات.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة كامل إدريس وحكومته على تحويل الرؤى والخطط إلى واقع ملموس، يعيد للدولة هيبتها، وللمؤسسات عافيتها، وللمواطن السوداني كرامته واستقراره. فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى رجال دولة يمتلكون الحكمة والإرادة، ويضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويجعلون من معاناة الشعب دافعاً للعمل لا ذريعة للتراجع.
فالوطن لا ينتظر الكلمات وحدها، بل يتطلع إلى الإنجاز، ولا يراهن على الوعود بقدر ما يراهن على الأفعال.




