Uncategorized
من العادات القبيحة: الجلوس في الشوارع بقلم/ علاء الدين محمد ابكر

من العادات القبيحة: الجلوس في الشوارع
بقلم / علاء الدين محمد ابكر
من العادات القبيحة التي تسللت إلى مجتمعنا وباتت منتشرة بشكل لافت، هي ظاهرة الجلوس في الشوارع لساعات طويلة. تجد مجموعة من الشباب تحت ظل شجرة، أو على مصطبة دكان، أو مرصوصين على الرصيف، من الصباح الباكر وحتى آخر الليل. مجلس بدأ بقصد السمر وقضاء الوقت، وانتهى إلى إزعاج وتضييق على خلق الله.
نعم، من حق أي مواطن أن يجلس أمام منزله ليشم الهواء ويتحدث مع جيرانه. هذه من عاداتنا السودانية الجميلة: “البرندة” و “الضُلّة” ولمّة الأهل. ولكن أن يتحول هذا الأمر إلى احتلال للشارع العام، وتحويله إلى “صالة استقبال” مفتوحة، فهذا هو الخطأ بعينه.
الشارع ليس ملكاً لأحد. هو ملك عام. يمر به الطالب الذاهب إلى مدرسته، والموظف المتأخر على عمله، والمريض الذاهب إلى المستشفى، والمرأة التي تحمل بيدها أكياس الخضار. وعندما يجد هؤلاء أمامهم تجمعاً كبيراً من الناس جالسين في منتصف الطريق أو على جنباته، فإنهم يشعرون بالضيق والحرج.
حتى لو كانت نية الجالسين سليمة مائة بالمائة، وحتى لو لم يتلفظوا بكلمة واحدة، فإن مجرد التكتل البشري في الطريق يخلق إحساساً بالترصد. نظرة هنا، وهمسة هناك، وضحكة عالية. كلها أشياء صغيرة، لكن وقعها كبير على نفس المارة. وأكثر المتضررين هن النساء والبنات. صارت كثير من الأسر تمنع بناتها من المرور من شارع معين وتأمرهن بلف لفة طويلة فقط لأنه “شارع الأولاد القاعدين”. أي منطق هذا؟ أن نجعل بناتنا هن من يغيرن طريقهن بسبب عادة خاطئة؟
لقد علمنا ديننا الحنيف أدب الطريق. وجاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والجلوس في الطرقات”. فقال الصحابة: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال عليه الصلاة والسلام: “فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه”. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: “غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
أين نحن اليوم من غض البصر؟ وأين كف الأذى؟ وأين الأمر بالمعروف؟ لقد انقلبت الآية فصار الطريق مكاناً للأذى بدل أن يكون مكاناً لقضاء الحاجة.
هذه الظاهرة لها آثار أسوأ من مجرد المضايقة. هي تكرس ثقافة “الفراغ”. فالشاب الذي يقضي 8 ساعات يومياً جالساً في الشارع، متى سيعمل؟ ومتى سيتعلم؟ ومتى سيفيد أسرته ومجتمعه؟ كما أنها تعطي صورة سيئة عن الحي وعن المدينة. فالزائر الغريب عندما يرى الشوارع محتلة بهذه الطريقة يحكم مباشرة بأن هذا مجتمع فوضوي لا يحترم النظام العام.
باختصار، الجلوس في الطرقات بهذه الكيفية يعتبر عملاً غير أخلاقي. هو اعتداء على حق الآخرين في المرور الآمن، وهو تشويه للذوق العام، وهو مخالفة صريحة لتعاليم ديننا وعاداتنا السمحة التي كانت تحترم “حرمة الطريق”.
فما الحل؟ الحل لا يكون بالصراخ ولا بالشرطة فقط. الحل يبدأ من البيت. على الأب أن يسأل ابنه: أين كنت؟ ومع من كنت؟ ولماذا كل هذا الوقت في الشارع؟ وعلى لجان الأحياء أن تتحرك لتوفير بدائل محترمة: ميدان يتم نظافته وتشجيره، أو راكوبة مجتمعية، أو نادي صغير يجتمع فيه الشباب بعيداً عن زحمة المارة. وعلى أصحاب الدكاكين أن يمنعوا الجلوس أمام محلاتهم لساعات طويلة لأن هذا يضر بعملهم أولاً.
الشارع مرآة المجتمع. فإذا كان شارعنا نظيفاً ومنظماً ومحترماً، فهذا دليل على أننا مجتمع راقٍ. وإذا كان شارعنا محتلاً بالكراسي والونسات، فهذا دليل على أننا مجتمع ضائع.
في الختام.. لنحترم الطريق كما نحترم بيوتنا. فمن حقك أن تجلس وترفه عن نفسك، ولكن ليس من حقك أن تجعل جلوسك سبباً في ضيق غيرك.
المجتمع المتحضر هو الذي يعرف متى يجلس، وأين يجلس، ولمن يفسح الطريق.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com




