Uncategorized
عبر الفايكنج نهر التايمز فانتصروا على الإنجليز.. وعبر الفرس نهر القادسية فخسروا أمام المسلمين بقلم: علاء الدين محمد أبكر

عبر الفايكنج نهر التايمز فانتصروا على الإنجليز.. وعبر الفرس نهر القادسية فخسروا أمام المسلمين
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
النهر في قراءة التاريخ ليس ماء يجري فقط، هو لحظة فاصلة بين قرارين، من يعبره يعلن أنه ترك ما خلفه إلى الأبد، ومن يبقى خلفه يعلن أنه ينتظر. لذلك ظل العبور النهري في كل التواريخ هو أخطر لحظة في حياة الجماعات، لأنه يجمع بين الجغرافيا والنفس البشرية في وقت واحد.
في شتاء عام 871 ميلادية وصل الفايكنج إلى نهر التايمز. لم يكونوا جيشا نظاميا بالمعنى المعروف، كانوا تحالفا من البحارة والمقاتلين القادمين من الدنمارك والنرويج، وكل قوتهم كانت في سفينتهم. السفينة الطويلة التي صنعوها كانت معجزة في ذلك الزمان، طولها ثلاثون مترا، سرعتها تفوق سرعة أي سفينة إنجليزية، والأهم أن غاطسها لا يتجاوز تسعين سنتيمترا، وهذا يعني أنها لا تحتاج إلى ميناء، تستطيع أن تدخل في أي نهر ضحل. التايمز في ذلك الشتاء كان باردا، عرضه في منطقة ريدينغ حوالي مائتين وخمسين مترا، وتياره قوي.
على الضفة الغربية كان يتمركز الملك إثيلريد الأول ومعه شقيقه الشاب ألفريد الذي سيصبح فيما بعد ألفريد العظيم. كان موقعهما جيدا بكل المقاييس، أرض مرتفعة تشرف على النهر، غابة كثيفة تحمي الجانب الأيمن، والنهر نفسه كخندق أمامهم. أي قائد يتمنى هذا الموقع. ومع ذلك حدث ما لا يتوقعه التخطيط.
فقائد جيش الانجليز كان في موقف دفاعي جيد ولكنه سمح للفايكنج بالعبور. هذه الجملة هي مفتاح القصة كلها. لماذا سمح؟ تذكر الوثائق القديمة المعروفة بالكرونيكل الأنجلوسكسوني أن المعلومات التي وصلت للإنجليز كانت ناقصة. كانوا يظنون أن الفايكنج سيعبرون في وضح النهار، مجتمعين، فيسهل رميهم بالسهام وهم في الماء. لكن الفايكنج فكروا بطريقة مختلفة تماما. انتظروا الضباب الكثيف الذي يغطي التايمز في يناير، وبدأوا يعبرون في مجموعات صغيرة، كل مجموعة عشرون رجلا، يحملون دروعهم فوق رؤوسهم، يسبحون بجانب سفنهم. عبرت المجموعة الأولى ولم يشعر بها أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى أصبح على الضفة الغربية قوة كافية.
السبب الثاني كان الانقسام في اتخاذ القرار. إثيلريد كان يرى أن يتركهم يعبروا جميعا ثم يطبق عليهم من كل الجهات، وألفريد كان يرى أن يضربهم وهم في الماء قبل أن تكتمل قوتهم. هذا التردد بين رأيين جعل الجيش ثابتا في مكانه، لا هو هاجم ولا هو انسحب، وفي حالة النهر فإن الثبات هو أسوأ قرار. والسبب الثالث أن الفايكنج لم يتعاملوا مع النهر كعقبة، بل تعاملوا معه كطريق. بينما كان الإنجليز ينقلون طعامهم وخشبهم على عربات تجرها الخيول وتغوص في طين الشتاء، كان الفايكنج ينقلون كل شيء عبر النهر بسرعة، فكأن النهر أصبح يعمل معهم ضدهم. لذلك عندما بدأت معركة ريدينغ كان الإنجليز قد خسروا المبادرة قبل أن تبدأ المعركة، فانتصر الفايكنج ودخلوا لندن، وإن كان انتصارا لم يدم طويلا لأن ألفريد استوعب الدرس وهزمهم بعد سبع سنوات في إدينغتون.
على بعد آلاف الأميال وزمن مختلف، تكرر المشهد نفسه ولكن بنتيجة معاكسة. في عام 636 ميلادية التقى جمعان كبيران في سهل القادسية قرب الكوفة، يفصل بينهما نهر صغير يسمى نهر العتيق، وهو فرع قديم من نهر الفرات، عرضه لا يزيد عن خمسة عشر مترا لكن قاعه طيني زلق. جيش الفرس كان كبيرا جدا، تقدره الروايات ما بين ثمانين ألفا ومائة وعشرين ألفا، ومعه ثلاثة وثلاثون فيلا مدرعا، وجنود مقيدون بالسلاسل حتى لا يفروا. وجيش المسلمين كان أقل من ثلث هذا العدد بقيادة سعد بن أبي وقاص. المفارقة أن الفرس هم من قرروا العبور، ظنا منهم أن الكثرة تحسم الأمر.
لكن إدارة العبور كانت مرتبكة. ترك الفرس خلفهم جسرا واحدا من الخشب على النهر. جسر واحد لجيش بهذا الحجم هو خطأ في الحساب، لأن القاعدة في عبور الموانع تقول إن عدد مخارج التراجع يجب أن يساوي عدد مداخل الهجوم. عندما يكون الجسر واحدا فإن أي تراجع ولو كان جزئيا سيتحول إلى ازدحام. وهذا ما حدث تماما. اعتمد الفرس على الفيلة كسلاح صدمة، والفيل قوي في الأرض الصلبة المستوية، لكن سهل القادسية بعد فيضان الفرات كان رخوا، فكانت أقدام الفيلة تغوص، وعندما جرحت بالسهام هاجت ودارت على أصحابها. بدأ التراجع، وتدافع عشرات الآلاف نحو الجسر الوحيد، ثقل هائل على خشب ضعيف، فانهار الجسر، وسقط الجنود في النهر الذي عبروه قبل ساعات وهم واثقون. ومن بين من سقط في الماء قائدهم العام رستم فرخزاد، فانفرط عقد الجيش وخسر المعركة وخسر معها الإمبراطورية. فالذين عبروا النهر ليهاجموا غرقوا في نفس النهر وهم يتراجعون.
ويبقى المشهد الثالث الذي يكمل الصورة ويعطيها معناها. فعبور طارق بن زياد كان حتميا وحتى أنه أحرق السفن التي عبر عليها جيشه حتى لا يفكروا في الفرار. في عام 711 ميلادية عبر طارق بن زياد المضيق الفاصل بين أفريقيا وأوروبا باثني عشر ألف مقاتل، ليجد أمامه جيش القوط بقيادة لذريق الذي يزيد عن مائة ألف. نزل إلى الأرض التي تسمى اليوم جبل طارق، ثم اتخذ قرارا لا يزال يدرس حتى اليوم. أمر بإحراق السفن كلها.
سواء صحت رواية الحرق حرفيا أو كانت رمزا لقطع خط الرجوع، فإن الفكرة التي وراءها واضحة. الإنسان عندما يعلم أن هناك طريقا للعودة سيترك جزءا من جهده لهذا الطريق، سيقاتل بثمانين في المئة ويترك عشرين في المئة للهرب. أما إذا علم أن البحر خلفه ولا سفن، فإن العشرين في المئة تلك تتحول إلى قتال، فيصبح مائة في المائة. هذا هو التفسير البسيط لقرار طارق.
وفي تلك اللحظة وقف وقال كلمته التي حفظها التاريخ وحفظها الشعر: البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فأين المفر؟ وقال فيه الشاعر: البحر خلفي والعدو أمامي فإن ضاع الطريق إلى السفين ورائي. لم تكن خطبة طويلة، كانت وصفا دقيقا للواقع. أمامك خصم وخلفك بحر. لا خيار ثالث. فتحول الخوف من البحر إلى قوة دافعة، فقاتل جيشه كرجل واحد وانتصر في وادي لكة وفتح الأندلس.
ومن هذه الصور الثلاث نرى أن النهر لم يكن يوما هو الذي يقرر النصر أو الهزيمة. النهر عامل محايد. الذي قرر هو طريقة التفكير في التعامل معه. من كان في موقع جيد وسمح لخصمه بالعبور مترددا فقد المبادرة كما حدث للإنجليز في التايمز. ومن عبر وترك خلفه جسرا واحدا ضيقا لجيش كبير عرض نفسه للهلاك عند أول تراجع كما حدث للفرس في القادسية. ومن عبر وقطع طريق رجعته بإرادته وجعل المعركة هي الخيار الوحيد ضاعف قوة مجموعته كما فعل طارق بن زياد.
وهكذا فإن التاريخ لا يكرر نفسه في الماء، بل يكرر نفسه في طريقة تفكير الناس أمام الماء.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com


