Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني من أصابت اللعنة؟

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
من أصابت اللعنة؟
في السودان، لا تكاد حقبة سياسية تطوي صفحتها حتى تفتح صفحة اللعن في وجه من سبقها، وكأن الحكم عندنا لا يبدأ إلا بإدانة الماضي، ولا يستمر إلا بتخوين من صنعوه، ولا ينتهي إلا بفضيحة جديدة، تتبدل الوجوه والشعارات، لكن الحكاية تعيد نفسها بإصرار عجيب، حتى أصبح السؤال الذي يطاردنا: هل أصابت اللعنة الحكام، أم أصابت الشعب، أم أن اللعنة استوطنت هذه الحكاية السودانية نفسها؟
حين استولى جعفر نميري على الحكم بانقلاب عسكري، شن هجوماً على الطائفية، وحمّلها مسؤولية تعطيل تقدم السودان، ثم أقام نظام الاتحاد الاشتراكي، ومضى في الحكم سنوات طويلة، حتى أطاحت به انتفاضة أبريل 1985، جاء المشير سوار الذهب، فقدم تجربة مختلفة؛ أعلن فترة انتقالية محددة، والتزم بها، ثم سلّم السلطة لحكومة منتخبة برئاسة الصادق المهدي، كانت تلك لحظة نادرة في تاريخنا، أثبت فيها الرجل أن السلطة ليست غنيمة، وأن الوفاء بالعهد قد يكون أعظم من البقاء على كرسي الحكم، لم يحتج سوار الذهب إلى لعن من سبقه حتى يثبت أنه مختلف عنه
ثم جاء عمر البشير بانقلاب عسكري على حكومة الصادق المهدي، ورفع رايات محاربة الطائفية والأحزاب، وأقام نظاماً شمولياً امتد لثلاثة عقود، تبدلت خلاله الواجهات والشعارات والتجارب الحزبية، حتى انتهى به المطاف إلى المؤتمر الوطني، الذي أصبح عنواناً لمرحلة كاملة بكل ما فيها من إنجازات وإخفاقات وأزمات، وفي أبريل 2019، سقط البشير تحت ضغط ثورة مشؤومة ، ظن كثيرون أنها ستكون نقطة البداية لعهد جديد يقطع مع أخطاء الماضي،
لكن المفارقة أن الذين جاءوا بعده لم يتعلموا من سقوطه ما يكفي لتجنب المصير نفسه
تقدمت قوى الحرية والتغيير إلى المشهد، غير أن خطاب الإقصاء والخصومة السياسية الحادة، والصراع على السلطة، عمّق الانقسامات وأضعف الثقة، لم تكن المشكلة في مجرد انتقاد النظام السابق، فمراجعة الماضي حق وضرورة، وإنما في الاعتقاد بأن إدانة السابقين تكفي وحدها لصناعة مستقبل أفضل، ثم انقلبت الموازين، وانتهى ذلك الترتيب السياسي تحت وقع يوم 25 أكتوبر 2021، لتدخل البلاد مرحلة جديدة ، وصولاً إلى الحرب التي انفجرت في أبريل 2023
وهنا تبلغ الحكاية ذروة مأساتها؛ فالسودان لم يعد يدفع ثمن خلاف سياسي فحسب ، بل يدفع ثمن تراكمات من سوء إدارة الحكم، وانعدام الثقة، وإقصاء الخصوم، والتعامل مع الدولة وكأنها ملكية خاصة لمن يجلس على مقعد السلطة
لكن ثمة سؤالاً أكثر إيلاماً من كل الأسئلة: كيف يتكرر المشهد، وكيف تمنح الجماهير الأمل لسلطة جديدة، ثم تنقلب عليها حين تنكشف إخفاقاتها؟ هل الشعب ضحية الخداع السياسي، أم أنه شريك في إعادة إنتاج الأزمة حين يندفع وراء الشعارات دون أن يحاسب أصحابها على برامجهم وأفعالهم؟ وهل يكفي أن نخرج إلى الشوارع لإسقاط حاكم، إذا كنا لا نملك مشروعاً واضحاً لبناء دولة لا تسقط بسقوط الأشخاص؟
ليس من العدل أن نحمّل الشعب وحده مسؤولية ما جرى ، فقد خرج السودانيون في محطات عديدة مطالبين بالحرية والكرامة والعيش الكريم، ودفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم وأرزاقهم، لكن من الضروري أيضاً أن نواجه أنفسنا بالحقيقة: الحماسة السياسية لا تعني دائماً حسن الاختيار، والغضب من الحاكم لا يجعل كل من يأتي بعده صالحاً للحكم، والهتاف المرتفع ليس بديلاً عن الوعي والمحاسبة.
لقد تعاقبت على السودان أنظمة مختلفة، بعضها جاء بالبندقية، وبعضها وصل عبر صناديق الاقتراع، وبعضها استند إلى الشارع، لكن الأزمة ظلت تتجدد لأننا لم ننجح في ترسيخ قواعد تجعل الدولة أكبر من الحاكم، والمؤسسات أقوى من الأحزاب، والوطن أوسع من الولاءات الضيقة. وكلما سقط نظام، بدأ القادمون من نقطة الصفر، كأن تاريخ البلاد لا يحمل درساً واحداً يستحق التعلم.
إن اللعنة الحقيقية ليست في أن يلعن اللاحق السابق، بل في أن يكرر اللاحق أخطاء السابق بعد أن قضى سنوات يفضحها، ثم ينتظر من الشعب أن يصفق له، فإذا سقط اتهم الشعب بالخيانة أو الجحود، بينما يعيد هو كتابة الرواية ذاتها بأسماء جديدة
من أصابت اللعنة إذن؟ الحكام الذين لم يتعلموا أن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً؟ أم القوى السياسية التي تتقن هدم خصومها أكثر مما تتقن بناء الدولة؟ أم شعب أنهكته الوعود، فصار يتأرجح بين الأمل والخيبة؟ أم أن اللعنة أصابت الجميع حين تحولت السياسة من وسيلة لخدمة الوطن إلى معركة لا غالب فيها إلا الخراب؟
ربما تكون الإجابة الموجعة أن اللعنة أصابت الحكاية كلها؛ لأننا ظللنا نغير أبطالها، ونحتفظ بالنص نفسه
إني من منصتي أنظر … حيث أرى….. أن السودان لن يخرج من هذه الدائرة بمجرد سقوط حاكم أو صعود آخر، ولا بلعن الماضي أو تقديس الحاضر، وإنما حين نتعلم أن نحاسب كل سلطة بمعيار واحد، وأن نرفض الاستبداد مهما كان شعاره، والإقصاء مهما كان مبرره، وأن نفهم أن الوطن لا يُبنى بالانتقام من الأمس، بل بالاستعداد المسؤول للغد.
فهل نتعلم أخيراً، أم نظل نلعن الأمس، ونكتشف متأخرين أننا كنا نصنعه من جديد؟



