Uncategorized
حكايات ضد النسيان.. حين يتكلم الوجع بصوت أصحابه بقلم: علاء الدين محمد أبكر

حكايات ضد النسيان.. حين يتكلم الوجع بصوت أصحابه
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
عصر كل يوم، وفي وقتٍ يعود فيه الناس من أعمالهم، ويجلسون في بيوتهم المنهكة، تفتح إذاعة ولاية الخرطوم نافذة صغيرة على جرح كبير، في برنامج اسمه “حكايات ضد النسيان”.
لا مذيع يصرخ، ولا موسيقى صاخبة، ولا مقدمات طويلة.. فقط صوت أم، أو أب، أو طفل، أو جدة، يجلس أمام الميكروفون ليحكي ما حدث له، كما حدث، بلا زيادة ولا نقصان، وبلا تجميل.
يزور طاقم البرنامج البيوت، بيتاً بيتاً، وحيّاً حيّاً، ويدخل على أسرٍ كسرتها الحرب، لكنها لم تنكسر. يجلس معهم على الأرض، يشرب معهم الشاي إن وُجد، ويأكل معهم الكسرة إن وُجدت، ويسمع منهم ما لا يُحكى في النشرات، وما لا تكتبه التقارير، وما لا تنقله الكاميرات.
امرأة تحكي كيف اقتحم المسلحون بيتها في منتصف الليل، وكيف أخذوا ذهبها القليل الذي ادخرته سنوات طويلة لزواج بنتها، ثم أخذوا بنتها نفسها أمام عينيها، وهي تصرخ ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.
رجل عجوز يبكي وهو يحكي كيف قُتل ابنه الوحيد أمامه، وكيف دفنه بيديه في حوش البيت لأنهم منعوه من الخروج لدفنه في المقابر.
طفلة لا تتجاوز العاشرة، تسأل ببراءة موجعة تُدمي القلب: “ليه شالوا أبوي؟ أبوي كان طيب، أبوي ما عمل ليهم حاجة”.
شاب يحكي كيف كان يبيع الخضار في السوق ليعول أسرته، فأخذوا عربته وبضاعته وضربوه وكسروا يده، ثم قالوا له: “ده ما بلدك، أطلع منها”.
ومن يستمع لهذه الإفادات، يصدم.. ليس من قصة واحدة، بل من حجم الوجع الذي مسّ الشعب السوداني كله: قتل، ونهب، وسلب، وترويع، واغتصاب، وتشريد، وإذلال، وتجويع، وتهجير قسري، لم يره السودان من قبل في تاريخه الطويل.
قصص لا تُصدق، لو لم يروها أصحابها بأنفسهم. بيوت تُنهب في وضح النهار، ونساء يُغتصبن أمام أسرهن، وأطفال يُجندون، وشيوخ يُضربون، ومرضى يُمنعون من الدواء، وجثث تُترك في الشوارع أياماً دون أن يجد من يسترها.
برنامج “حكايات ضد النسيان” لن يستطيع أن يرصد كل الحالات، فالجرح أكبر من أي برنامج، وأوسع من أي إذاعة، وأعمق من أي أرشيف. ففي كل شارع حكاية، وفي كل بيت مأساة، وفي كل أسرة شهيد أو مفقود أو نازح أو مغتصبة أو منهوب.
لكنه فعل الشيء الأهم والأعظم: قدّم شهود عيان، بأصواتهم الحقيقية، وأسمائهم الحقيقية، ودموعهم الحقيقية، وآهاتهم التي تخرج من صدورهم كأنها جمر.
شهود قالوا: نحن هنا، ونحن رأينا، ونحن عشنا، ونحن لن ننسى، ولن نسامح، ولن نغفر.
لقد أصبح واضحاً أن المليشيا المتمردة تحارب بلا مشروع، وبلا سند، وبلا قضية، وبلا أخلاق، وبلا دين. فهل هناك سياسي عاقل يعتدي على شعب، وينتهك حرماته، ويقتل أبناءه، وينهب بيوته، ويغتصب نساءه، ثم يأتي بعد ذلك ليقول له: أريد أن أحكمك؟
أي حكم هذا الذي يبدأ بالدم وينتهي بالدم؟
وأي شرعية تُبنى على جماجم الأبرياء ودموع الأمهات وصرخات الأطفال؟
وأي ديمقراطية هذه التي تُبنى على أنقاض البيوت وعلى جثث المدنيين؟
كان هدف المليشيا واضحاً منذ اليوم الأول: ترويع المواطنين، وتشريدهم من بيوتهم، وسرقة ما عندهم من موارد، وإن كانت قليلة. سرقوا الثلاجة والغسالة والتلفزيون، وسرقوا الدكان الصغير، وسرقوا مرتب الشهر، وسرقوا حتى “حلة الملاح” من على النار. لم يتركوا شيئاً إلا وأخذوه، وكأنهم جاءوا لينتقموا من شعب كامل، لا ليحاربوا جيشاً.
سرقوا أموال الناس، وسرقوا أعمار الناس، وسرقوا أحلام الناس. هجّروا الملايين من الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان، وتركوا المدن خراباً، والبيوت فارغة، والمدارس مدمرة، والمستشفيات منهوبة.
هذا البرنامج يستحق الإشادة والتقدير، ليس لأنه برنامج إذاعي ناجح فقط، بل لأنه أصبح وثيقة، وشهادة، ودليلاً، وذاكرة وطنية.
هذه الحكايات يمكن أن تكون إثباتاً قضائياً ضد المليشيا أمام أي محكمة، في الداخل والخارج، لأنها ليست روايات منقولة، بل شهادات حية من أفواه الضحايا أنفسهم، مسجلة بالصوت والصورة، محفوظة في أرشيف الإذاعة، لا يستطيع أحد أن يمحوها أو ينكرها.
وما حدث لن يغفره الشعب السوداني لهم، مهما طال الزمان، ومهما تبدلت الوجوه والأسماء، ومهما حاول البعض أن يجمّل وجه المليشيا، أو أن يعيد تدويرها بثياب جديدة. فالذاكرة الشعبية لا تنسى من قتل ابنها، ولا من انتهك عرضها، ولا من هجّرها من بيتها، ولا من سرق عرق جبينها.
وما خفي كان أعظم..
فهناك الكثير من الجرائم التي قامت بها المليشيا لم يُكشف عنها بعد. هناك بيوت صمت أهلها خوفاً، وهناك نساء آثرن الكتمان على الفضيحة، وهناك أسر دُفنت حكاياتها مع موتاها في مقابر جماعية لا يعرفها أحد، وهناك قرى كاملة أُبيدت ولم يبق من يحكي عنها.
هناك أمهات ما زلن يبحثن عن أبنائهن المفقودين، لا يعرفن هل هم أحياء أم أموات. وهناك أطفال وُلدوا في النزوح ولم يعرفوا بيوتهم أصلاً. وهناك شيوخ ماتوا بحسرتهم على وطنهم الذي ضاع من بين أيديهم.
لهذا جاء اسم البرنامج صادقاً ودقيقاً ومؤلماً: حكايات ضد النسيان.
لأن النسيان هنا ليس رحمة، بل خيانة.
ولأن الصمت هنا ليس حكمة، بل مشاركة في الجريمة.
ولأن التوثيق هنا ليس عملاً إعلامياً، بل واجباً وطنياً وإنسانياً ودينياً.
سجّلوا.. وثّقوا.. احكوا لأبنائكم ما حدث.
احكوا لهم كيف كان السودانيون آمنين في بيوتهم، وكيف جاء من سرق أمنهم.
احكوا لهم عن الأم التي فقدت ابنها، وعن الأب الذي فقد بيته، وعن الطفلة التي فقدت طفولتها.
فالشعوب التي تنسى جرائمها، تُعاد عليها الجرائم من جديد.
أما الشعوب التي تتذكر، فهي وحدها التي تستطيع أن تبني مستقبلاً لا يتكرر فيه الوجع، ولا تعود فيه المأساة.
ستبقى هذه الحكايات شاهداً على عصر من الظلم، وعلى شعب صبر وتحمل ولم ينكسر، وعلى مليشيا ستظل لعنة التاريخ تلاحقها، أينما ذهبت، ومهما حاولت أن تغسل يديها من الدماء، فلن تستطيع، لأن الدماء ما زالت تصرخ في حكايات ضد النسيان.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com



