Uncategorized

مدار الفهم قهوة سادة… وعزة نفس بقلم: فهمي إبراهيم أبو الفهم

مدار الفهم

قهوة سادة… وعزة نفس

بقلم: فهمي إبراهيم أبو الفهم

ليس كل فنجان قهوة يُشرب لإيقاظ الجسد، فبعض فناجين القهوة توقظ الضمير، وتعيد ترتيب الإنسان من الداخل. وفي كل صباح، حين يمسك أحدنا بفنجانه، قد يبدو الأمر عادة يومية عابرة، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة أعمق مما نتخيل.

ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى هو: “لا تسمح لأحد أن يكون سكراً في قهوتك، اشربها سادة، وحافظ على عزة نفسك.”

ليست الدعوة هنا إلى شرب القهوة بلا سكر، وإنما إلى أن تعيش حياتك بلا خضوع، وأن تظل شخصيتك كما أرادها الله؛ حرة، أصيلة، لا يغيّر طعمها رضا الناس ولا يفسدها خوفهم.

مرارة الكرامة… أشهى من حلاوة التبعية

القهوة السادة لا تخجل من مرارتها، ولا تعتذر عن مذاقها، لأنها تعرف قيمتها. وكذلك الإنسان الأصيل؛ لا يحتاج إلى التزييف ليُقبل، ولا إلى التملق ليُحترم، ولا إلى ارتداء الأقنعة ليحظى بالتصفيق.

إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الفقر، ولا الفشل، ولا قلة الحيلة… بل أن يفقد نفسه وهو يحاول إرضاء الجميع.

كم من شخص غيّر مبادئه ليكسب إعجاب الآخرين، فخسر احترامه لنفسه.

وكم من إنسان تنازل عن كرامته بحجة المجاملة، ثم اكتشف متأخراً أن من يتنازل مرة، سيُطلب منه التنازل ألف مرة.

فالكرامة لا تُجزأ، ومن يفرّط في جزء منها، يفتح الباب لضياع بقيتها.

لا تجعل أحداً يحدد مذاق حياتك

كما أن لكل إنسان طريقته في شرب قهوته، فإن لكل إنسان الحق في أن يعيش حياته وفق قناعاته، ما دام لا يظلم أحداً ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

ليس مطلوباً منك أن تشبه الجميع.

وليس نجاحك مرهوناً بأن تنال رضا الجميع.

وليس من الحكمة أن تجعل سعادتك رهينة بتصفيق الناس، لأنهم أنفسهم قد يصفقون لك اليوم، ثم يهاجمونك غداً.

الإنسان الذي يغيّر مبادئه مع كل رأي، يشبه فنجاناً يضيف إليه كل عابر شيئاً من عنده، حتى يفقد القهوة طعمها، ويفقد الفنجان هويته.

عزة النفس ليست كبرياء

هناك فرق كبير بين عزة النفس والغرور.

فعزة النفس أن تحفظ كرامتك دون أن تحتقر الآخرين.

أن تعطي دون أن تُذل.

أن تحب دون أن تُهان.

أن تعتذر إذا أخطأت، لكنك لا تعتذر عن حقك.

أن تصمت حين يكون الصمت وقاراً، وتتحدث حين يصبح السكوت ذلاً.

أما الغرور، فهو شعور زائف بالعظمة، بينما عزة النفس شعور صادق بقيمة الإنسان.

تعلم أن تقول: لا

كثير من مآسي البشر بدأت لأنهم لم يعرفوا متى يقولون “لا”.

قالوا نعم خوفاً من خسارة شخص…

فخسروا أنفسهم.

وقالوا نعم خوفاً من كلام الناس…

فضاعت كرامتهم.

وقالوا نعم لكل شيء…

حتى لم يبق في حياتهم شيء يشبههم.

إن كلمة “لا” حين تُقال دفاعاً عن المبدأ، ليست قسوة، بل احترام للنفس.

وليست تمرداً، بل نضج.

وليست أنانية، بل وعي بأن الكرامة لا تُساوم.

المرارة التي تصنع الرجال

الحياة ليست كلها سكر.

وفي كثير من الأحيان، تكون الأيام المرة هي التي تصنع الشخصيات العظيمة.

فالذهب لا يصفو إلا بالنار.

والبحر لا يُخرج لآلئه إلا بالغوص.

والإنسان لا يعرف قيمة نفسه إلا بعد أن يرفض كل ما ينتقص منها.

لذلك لا تخف من مرارة التجارب، فهي أقل ألماً من مرارة الندم على التنازل.

الخاتمة

اشرب قهوتك كما تحب، لكن عش حياتك كما يمليه عليك ضميرك، لا كما يريدها الآخرون.

لا تسمح لأحد أن يضيف السكر إلى مبادئك حتى يفقدها مذاقها الحقيقي.

ولا تسمح لأحد أن يشتري رضاك بثمن كرامتك.

فالناس ينسون ما قدمته لهم، لكنك لن تنسى أبداً اللحظة التي خذلت فيها نفسك.

احفظ عزة نفسك… فهي الثروة الوحيدة التي إذا ضاعت، لن يعوضها مال، ولن يعيدها اعتذار، ولن يشتريها الزمن.

فكن كالقهوة السادة…

قوياً في حضوره، صادقاً في مذاقه، أصيلاً في جوهره، لا يحتاج إلى زينة ليُثبت قيمته، ولا إلى سكر ليُخفي حقيقتة

مقالات ذات صلة

إغلاق