Uncategorized
استعانة المسؤولين بفنّ التنكّر تمكّنهم من معايشة أحوال الرعية بقلم: علاء الدين محمد ابكر

استعانة المسؤولين بفنّ التنكّر تمكّنهم من معايشة أحوال الرعية
بقلم: علاء الدين محمد ابكر
لا يمكن لوطن أن ينهض إلا إذا عرف قادته حقيقة الواقع الذي يعيشه الناس. والمعرفة هنا لا تعني التقارير المكدسة على المكاتب، ولا الصور المفبركة التي تلتقطها الكاميرات في الزيارات الرسمية، ولا الملفات التي تُرتب قبل أيام من وصول المسؤول. المعرفة الحقيقية هي أن يرى المسؤول بعينيه، وأن يسمع بأذنيه، وأن يشعر بقلبه بمعاناة المواطن العادي. ومن أصدق السبل للوصول إلى هذه المعرفة هي أن يتنكر المسؤول وينزل إلى الميدان دون موكب، ودون إعلان، ودون أن يدري به أحد. أن يخلع عباءة المنصب ويلبس عباءة المواطن البسيط، فيقف في الصف، ويتوه بين المكاتب، ويواجه الردود الجافة، ويشعر بحرارة الانتظار. بهذه الطريقة فقط نكسر الحاجز الزجاجي بين القصر والشارع، وبين القرار والواقع.
حين يدخل المسؤول مؤسسة حكومية متنكراً سيرى كيف تُعامل المعاملة التي لا “واسطة” لها. سيرى الورقة التي تحتاج لخمسة تواقيع، والموظف الذي يأتي متأخراً ويخرج مبكراً، واليوم الذي يضيع كاملاً في إجراء كان يمكن أن يتم في دقائق. وحين يمشي في سوق شعبي سيرى بعينه من الذي يرفع السعر، ومن الذي يغش في الميزان، ومن الذي يحتكر السلعة وقت الأزمات. سيرى البائع الذي يجلس من الفجر حتى المغرب ولا يبيع إلا القليل، وسيرى الأوساخ المتراكمة والمياه الراكدة التي لا تظهر في تقارير البلدية. وحين يدخل مدرسة بهيئة ولي أمر سيجلس على المقعد الخشبي المكسور، ويشتم رائحة الفصل المكتظ، ويسمع من المعلم عن نقص الكتاب والطباشير، ويعرف لماذا يهرب الطلاب من المدرسة. وحين يزور مستشفى كمريض عادي سيذوق مرارة الانتظار أمام الاستقبال، ويعرف معنى أن تبحث عن دواء غير متوفر، وعن طبيب منهك لا يجد وقتاً للكشف. سيعرف الفرق الكبير بين الخدمة التي تُقدم لصاحب “المعرفة” والخدمة التي تُقدم للغلبان. كل هذه الصور لا تصل في التقارير، لأن الخلل يتجمل قبل الزيارة الرسمية بأيام.
ولكي تؤتي هذه الزيارات ثمارها كاملة لابد أن يكون التنكر احترافياً يصعب معه التعرف على المسؤول. وهنا يمكن الاستعانة بفنيي المكياج والتنكر المحترفين. لقد تطورت الصناعة اليوم إلى درجة مذهلة، فأصبحت هناك أقنعة مصنوعة من السيليكون تحاكي الجلد البشري بدقة، تتخذ أشكالاً وأعماراً مختلفة. يمكن للمسؤول أن يرتدي قناع رجل مسن، أو عامل بسيط، أو شاب عادي، فيدخل بين الناس دون أن يلفت انتباه أحد حتى أقرب معاونيه. بهذه الطريقة نضمن أن الصورة التي يراها هي الصورة الحقيقية غير المصطنعة، وأن المعاملة التي يتلقاها هي المعاملة التي يتلقاها كل مواطن.
ولم تكن هذه الفكرة جديدة على حكامنا، فقد ضرب لنا التاريخ الإسلامي أروع الأمثلة في ذلك. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالمدينة ليلاً متنكراً يتفقد الرعية. ومن أشهر قصصه أنه وجد ناراً من بعيد فذهب إليها فوجد امرأة أرملة تطبخ حجارة لأطفالها ليناموا وهم يظنون أن هناك طعام. فبكى عمر، ورجع إلى بيت المال، وحمل على ظهره جوال الدقيق والزيت وقال لغلامه: “ضعها على ظهري”. فقال الغلام: “أحملها عنك يا أمير”. فقال عمر: “أتحمل عني وزري يوم القيامة؟” ثم طبخ لهم بيده حتى أكلوا وشبعوا، وقال في النهاية: “متُّ عمر ولم يشبع أهل المدينة”.
وكان الخليفة هارون الرشيد أيضاً يجيد التنكر مع وزيره يحيى بن خالد البرمكي وسيافه مسرور. وكانوا يخرجون ليلاً في شوارع بغداد ليعرفوا أحوال الناس بأنفسهم. فمن قصصه المشهورة أنه سمع في السوق تاجراً يصرخ ويبكي ويشكو أن والي بغداد أخذ بضاعته ظلماً. فلم يرجع هارون إلى القصر حتى استدعى الوالي في الصباح، وحقق في الأمر، ولما ثبت الظلم عزله فوراً وأمر برد المال للتاجر مع تعويض، وقال: “كيف أنام وبين رعيتي مظلوم؟” وفي مرة أخرى مروا بمسجد صغير سقفه يكاد يقع. دخل هارون متنكراً وصلى مع الناس، وبعد الصلاة سألهم عن حاجتهم. فشكوا له ضيق المكان وتهدم السقف. فأمر في نفس الليلة بإرسال المهندسين والبنائين لإعادة بناء المسجد وتوسعته من ماله الخاص، واشترط أن لا يُكتب اسمه عليه. وفي قصة ثالثة سمع أن قاضياً في بغداد مشهور بالرشوة، فأرسل رجلاً متنكراً ليقدم له قضية ومالاً. فلما قبل القاضي الرشوة أمر هارون بالقبض عليه في مجلس القضاء وعزله وضربه. ومن يومها هاب القضاة الظلم وعرف الناس أن عين الخليفة لا تغفل.
إن قيمة التنكر لا تقف عند كشف الفساد فقط، بل تمتد لتبني الثقة بين الحاكم والمحكوم. عندما يعلم المواطن أن المسؤول يمكن أن يكون بينهم في أي لحظة سيشعر بالأمان والطمأنينة. وسيعلم الموظف أن عين الرقابة لا تغفل فيؤدي عمله بإتقان خوفاً وطمعاً. وسيعلم التاجر أن الغش له نهاية وأن السوق له عين تراه. كما أن القرارات التي تصدر بعد المعايشة تكون أقرب للواقع وأكثر نجاعة. فالوزير الذي وقف ثلاث ساعات في طابور الجوازات لن يوافق على نظام معقد، ومدير الصحة الذي رأى نقص الدواء بعينه لن يكتفي باعتماد الميزانية على الورق.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذا المنهج. بلادنا مليئة بالقوانين والخطط والاستراتيجيات، لكن ينقصها التطبيق وينقصها الصدق مع الواقع. نحتاج مسؤولاً يركب الحافلة ليعرف الزحام، ويشتري من السوق ليعرف الغلاء، ويدخل المصلحة ليعرف الروتين. نحتاج من يترك القصر الزجاجي وينزل إلى الشارع الترابي، بأدوات اليوم وتقنياته. التنكر هنا ليس ضعفاً ولا خداعاً. هو قمة الشجاعة، شجاعة الاعتراف بأن هناك مشكلة، وشجاعة مواجهة الحقيقة كما هي دون رتوش. وهو أقصر طريق للعلاج، لأنه يبدأ من التشخيص الصحيح من قلب الحدث.
ونقدم لكم من تراثنا الشعبي السوداني هذه الحكاية، وهي قصة تُروى عن شيخٍ دُعي إلى وليمةٍ في دار أحد الأعيان الميسورين. فلما بلغ عتبة الدار، اعترضه الحراس ومنعوه من الدخول لما رأوا عليه من تواضعٍ في المظهر، وظنّوا به أنه من السائلين. فانصرف الشيخ راجعاً إلى داره، فأحسن هندامه وارتدى أفخر الثياب، ثم عاد إلى الدار نفسها، فما إن رآه الحراس حتى فتحوا له الأبواب على مصراعيها وأحسنوا وفادته وأجلسوه في صدر المجلس.
فلما حَضَر الطعام، مدّ الشيخ طرف كُمِّه إلى الطعام وهو يقول: “كُل يا كُمّي… قبل فمي”. فتعجب الحاضرون وسألوه عن ذلك، فقصّ عليهم ما كان من أمره: كيف مُنِع أولاً بثيابه المتواضعة، وكيف أُكرم ثانياً بثيابه الفاخرة. وأراد بذلك أن يبيّن لهم أن الناس لا تُكرم لذواتها، وإنما تُكرم لما عليها من زينة ولباس.
العبرة:
ففي هذه الحكاية إشارة بليغة إلى أن المظاهر قد تخدع، وأن الحكم على الناس بهيئتهم دون جوهرهم جورٌ بيّن، وأن الاحترام الحقي يجب أن يكون للإنسان لا لثوبه.
إذا أردنا إصلاحاً حقياً فلنبدأ بهذه الخطوة وهي اهمية استعانة المسؤولين بفنّ التنكّر لمعايشة أحوال الرعية
. دعوا المسؤول يمشي بيننا كواحد منا. دعه يعرف كيف نعيش، حتى يعرف كيف يحكم. فبالحقيقة وحدها تبنى الأوطان، وبالعدل وحده يستقيم الميزان،
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



