Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني أسأل العِنَبَة الرامية فوق بيتنا !

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

أسأل العِنَبَة الرامية فوق بيتنا !

تخيّل أن شجرة عنبٍ تقف أمام بيت قديم، تحفظ في أغصانها ضحكات عاشقين، وتحت ظلالها وُلدت حكاية حب، ثم مرّت السنوات وتفرّق أصحاب الحكاية، وبقيت الشجرة وحدها تحفظ السر! من هذه الصورة البسيطة، التي تختبئ خلفها عوالم من الحنين والوجع، ينسج الشاعر إسحاق الحلنقي واحدة من أجمل حكايات الغناء السوداني، في أغنية (خاينة يا دنيا) التي لحّنها وغنّاها الفنان التاج مكي، فحوّلا تفاصيل الحياة اليومية إلى لوحة وجدانية تسكن الذاكرة

(لو مغالطنا ما مصدقنا، أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا)! … يا لدهشة الصورة! لم يستدعِ الحلنقي جاراً ليشهد، ولا صديقاً ليروي، بل استنطق شجرة! وكأن الأشياء الصامتة تحتفظ بأسرار العاشقين أكثر مما تفعل الألسن، هنا تتحول العنبة من مجرد شجرة إلى ذاكرة حيّة، وشاهد لا يكذب، ورمز لكل مكان تركنا فيه شيئاً من أرواحنا، ثم مضينا عنه بأجسادنا فقط

أما (خاينة يا دنيا وظالمة يا دنيا)، فهي لايمكن أن نسميها لازمة غنائيةفحسب بل صرخة إنسان أعياه الفقد، فلم يعد يعرف أين يضع لومه، على الحبيب الذي رحل، أم على الظروف التي فرّقت، أم على الزمن الذي لا يستأذن أحداً حين يغيّر مصائر الناس إنها خصومة مع الدنيا، حين تصبح خسارة الحب أكبر من قدرة القلب على الاحتمال
وفي قوله: (قلنا نتصبر لا لا ما بنقدر، قلنا الصبر قاسي والمحبة قدر)! يلخّص الحلنقي معركة العقل والقلب. فالصبر نصيحة سهلة على ألسنة الآخرين، لكنه يصبح امتحاناً عسيراً حين يكون الغائب قطعة من الروح. والمحبة، كما يصورها الشاعر، ليست قراراً نغيّره متى شئنا، بل قدر يترك بصمته حتى بعد انطفاء الحكاية

ثم تأتي الصورة الأكثر رهافة: (قلنا للقمرا سافري من بكرة، ختي في قلبو شتلة الذكرى)! هنا لا يطلب العاشق عودة الحبيب، وإنما يرجو أن تظل له مساحة صغيرة في قلبه؛ شتلة ذكرى، لعلها تنمو رغم الغياب، وما أعمق هذا المعنى! فحين يعجز الحب عن استعادة صاحبه، يكتفي أحياناً بأن يظل حاضراً في ذاكرته
وتبلغ الصورة الإنسانية ذروتها في (كانت آمالنا نحيا في عشة) ، لم يكن الحلم قصراً ولا ثراءً، بل مأوى بسيطاً يجمع قلبين. فالعشة في قاموس المحبين ليست فقراً، وإنما وطن صغير تكتمل فيه الحياة بمن نحب، لكن الزمن الغدار قد يهدم حلماً كاملاً دون أن يترك خلفه سوى ذكرى بيت، وشجرة، وأغنية

أما التاج مكي، فقد منح كلمات الحلنقي روحاً موسيقية جعلت الوجع قابلاً للغناء، والحنين قابلاً للتداول بين الناس، فالمطرب هنا لا ينقل الكلمات فحسب، بل يفتح أمامها طريقاً إلى وجدان المستمع، حتى يشعر كل شخص بأن الأغنية تحكي شيئاً من قصته الخاصة وهذه إحدى علامات الأغنية الباقية: أن تظل قادرة على لمس القلب مهما تغيّرت السنوات والأجيال

جمال (خاينة يا دنيا) أنها تبدأ بالعنبة وتنتهي عندها، وكأن الشاعر يطوف بنا بين الحب والصبر والخذلان، ثم يعيدنا إلى الشاهد الأول؛ الشجرة التي بقيت في مكانها، بينما غادر العاشقون وتبدلت أحوالهم، إنها دائرة من الحنين، تقول إن الأماكن قد تنسى وجوه ساكنيها، لكن الذاكرة تمنحها حياة أخرى لا تنتهي

إني من منصتي أستمع … حيث أرى… أن إسحاق الحلنقي لم يكتب أغنية عن فراق حبيبين فحسب، بل كتب عن الإنسان حين يعجز عن استرداد ما يحب، فيترك ذكرياته معلقة على غصن، ويستعين بالقمر رسولاً، ثم يقف أمام الدنيا معاتباً، وغنّى التاج مكي الحكاية بصوت جعلها تتجاوز حدود المكان، حتى صارت العنبة في كل بيت سوداني رمزاً لحكاية لم تكتمل
ويبقى السؤال: هل كانت الدنيا خاينة حقاً، أم أن بعض الأحلام حين تضيع تترك في قلوبنا ما يكفي لاتهام الدنيا كلها؟!.

مقالات ذات صلة

إغلاق