Uncategorized
حين التقيتُ الماضي في ظل العمارة بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

حين التقيتُ الماضي في ظل العمارة
بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي
امس الاول وصلت إلى العمارة التي يقع بها مكتبي مبكراً، قبل موعد الدوام، لإنجاز مذكرة قضائية تتطلب الطباعة وبعض التجهيزات. لكنني فوجئت بأن الدكاكين والمحلات التجارية أسفل العمارة وبجوارها كانت غارقة في الظلام. وعندما سألت، أخبروني بأن الكهرباء قد انقطعت قبل قليل.
قررت الجلوس على أحد الكراسي أسفل العمارة، لاحتساء كوب من القهوة واستغلال الوقت في كتابة المذكرة على هاتفي، مستظلاً بذلك الظل الظليل الذي يخفف من حرارة الصباح.
وبينما كنت مستغرقاً في الكتابة، توقفت رقشة بالقرب مني، ونزل منها رجل كبير في السن، يتوكأ على عصاه. وما إن وقف خارج الرقشة حتى دار بينه وبين سائقها نقاش حاد، ارتفعت فيه الأصوات دون مراعاة لكبر سن الرجل وحالته الصحية.
تأملت وجهه جيداً، فرغم ما تركته السنون من آثار، فإنه لا يزال يحتفظ ببعض ملامح الوسامة والوقار التي طالما ميزته، فعرفته على الفور. عندها قررت التدخل لاحتواء هذا الاشتباك الصباحي، إكراماً لرجل كان مضرب المثل في النظافة والوسامة وحسن الهندام والجدية والاستقامة في العمل، ومحط إعجاب الجميع، يُشار إليه بالبنان.
كان الخلاف حول أجرة المشوار؛ إذ طالب سائق الرقشة بعشرة آلاف جنيه، بينما أخرج صاحبنا خمسة آلاف، متمسكاً بأنها الأجرة العادلة، مستنداً إلى أنه دفع المبلغ نفسه في الشهر الماضي، عندما حضر إلى السوق لصرف معاشه.
تقدمت نحوهما، وألقيت التحية على الرجل باسمه، مقرونة بلقبه الوظيفي الذي عرفه به الناس خلال سنوات عمله. وبمجرد أن خاطبته بذلك اللقب، شعرت بأن شيئاً من ملامح الماضي قد عاد إلى وجهه.
تدخلت لإقناع سائق الرقشة بقبول المبلغ الذي دفعه الرجل، وتعهدت له بسداد الفرق من مالي الخاص، دون أن أجعل صاحبنا يشعر بأنني أساعده عطفاً عليه أو بسبب عجزه عن دفع الأجرة، حفاظاً على كرامته ومكانته في نفسه.
انتهى الخلاف، وانصرف سائق الرقشة وهو يصفق بيديه ويتمتم بكلمات لم أتبينها. دعوت عمنا الكبير إلى الجلوس معي في الظل على كرسي مريح، بحجة أن موعد فتح البنك لم يحن بعد، وأن أمامنا متسعاً من الوقت.
تبادلنا السلام من جديد، وسألته عن صحته وأحواله وأبنائه، ثم عرضت عليه فنجاناً من القهوة، لكنه اعتذر قائلاً إنه اعتاد شرب قهوته مرة واحدة في اليوم، بعد الإفطار في المنزل، ووفق طقوسه المعروفة. وبعد إلحاح لطيف، وافق أخيراً على تناول كوب من الحلبة، إن كانت متوفرة.
دار بيننا حديث طويل، عرفت من خلاله أنه يأتي إلى السوق مرة واحدة في الشهر لصرف معاشه، الذي كان يبلغ ستين ألف جنيه، وقد أضيف إليه مؤخراً مبلغ ثمانين ألف جنيه، ليصبح إجماليه مائة وأربعين ألف جنيه، وهو، بحسب ما ذكر، من أعلى المعاشات الموجودة حالياً.
وبعد صرف المعاش، يتجول قليلاً في السوق، ويلتقي ببعض أصدقائه ومعارفه، ثم يعود إلى المنزل، حيث يقضي معظم وقته، ولا يغادره إلا للمناسبات الضرورية.
حدثني عن فقدانه لعربته الوحيدة، التي كان يعتمد عليها كثيراً، إبان احتلال المدينة. ورغم ما فقده من مقتنيات، بدا مستمتعاً بفترة المعاش، التي كرّسها للصلاة والتسبيح وقراءة كتب السيرة والتفاسير، وكأنه وجد في هذه المرحلة من العمر متسعاً للعبادة والتأمل، بعيداً عن صخب الحياة ومشاغلها.
وبعد أن حان موعد فتح البنك، اصطحبته إلى مدخله وودعته، طالباً منه ألا يتكبد مشقة الحضور إلى السوق في المرة القادمة قبل أن يتصل بي من المنزل.
انتهى اللقاء، لكن صورته ظلت حاضرة في ذهني؛ فقد أعادت إليّ هذه المقابلة ذكريات رجل عرفناه في أيام عزّه، أنيقاً في مظهره، مهيباً في حضوره، جاداً في عمله، يحظى باحترام الناس وتقديرهم.
تتغير الأحوال، وتمضي السنون، ويغادر الإنسان مواقع العمل التي صنع فيها اسمه ومكانته، لكن سيرته الطيبة تظل حاضرة في ذاكرة الناس، شاهدة على ما قدمه من عطاء وما تركه من أثر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الناس والعمل العام، أن نحفظ لهم قدرهم، ونصون كرامتهم، ونمد إليهم يد المودة حين يحتاجون إليها، دون أن نشعرهم بأنهم أصبحوا موضع شفقة أو عطف.
فالكبار لا يحتاجون دائماً إلى من يساعدهم بقدر حاجتهم إلى من يتذكرهم، ويعرف أقدارهم، ويعاملهم بما يليق بتاريخهم وسيرتهم.
صباح الوفاء من مدني الجمال.




