Uncategorized

أين أنتم يا رفاق الأمس؟.. أشجار المنقة تنتظرنا في مدني بقلم :امين محمد الجاك عامر المحامي

أين أنتم يا رفاق الأمس؟.. أشجار المنقة تنتظرنا في مدني

بقلم :امين محمد الجاك عامر المحامي

في كسلا الوريفة، التقينا نحن أبناء مدينة ود مدني على وجه الخصوص، وأبناء ولاية الجزيرة على وجه العموم. وفي منطقة المنقايات، جلسنا وتعارفنا، وتبادلنا أحاديث الخروج من مدينتنا وبيوتنا، واستعدنا آلام النزوح والتشرّد، وتحدثنا عن أحلام العودة إلى الديار. كنا نحتسي القهوة تحت ظلال أشجار المنقة، ونجد في تلك الجلسات شيئاً من الألفة والطمأنينة اللتين افتقدناهما بعيداً عن مدينتنا.

هناك، كان يجتمع أبناء ود مدني من مختلف الأحياء والمهن والوظائف؛ أطباء ومهندسون ومحامون وقضاة وموظفون وعمال وأصحاب مهن وحرف وتجار. جمعَتهم محنة النزوح، ووحّدتهم محبة المدينة. وكان الجميع يحمل همّ من بقي في كسلا، ومن لم تسمح له الظروف بمغادرة ود مدني. كنا نتبادل الأخبار، ونتابع تطورات معارك تحرير مدينتنا ونساندها؛ تلك المدينة التي ضحّى من أجلها كثيرون من خيرة أبناء هذا الشعب السوداني، وسُفكت في سبيلها دماء عزيزة وغالية.

وبعد رحلة نزوح طويلة، عدت إلى مدني السني، حاملاً في داخلي أمنية كبيرة بأن ألتقي رفاق الأمس، وأصافح رفقاء رحلة النزوح، وأهنئ من مدّ الله في أعمارهم بالعودة إلى الأهل والديار، وأترحّم على من اختارهم الله إلى جواره قبل أن يدركوا هذه اللحظة التي انتظرناها طويلاً.

كنت أتطلع، على وجه الخصوص، إلى أن أجد شتلات أشجار المنقة قد حضرت مع من حضروا في وفد المقدمة، وأنها زُرعت في مكان ما من أحياء مدني، ونمت وأينعت، وكادت أن تثمر. كنت أتمنى أن تكون تلك الجلسات الحميمية قد انتقلت من ظلال أشجار كسلا إلى قلب مدني، وأن تكون رؤانا وأحلامنا بالعودة قد تحققت، وأن نلتقي مجدداً في مدينتنا، كما كنا نلتقي هناك؛ نتبادل الأحاديث، ونستعيد الذكريات، ونرسم ملامح الغد.

لقد أعددت نفسي قبل العودة، التي شاءت الظروف أن تتأخر بعض الشيء لأسباب صحية وأخرى متعددة، لأن أحضر وأجلس مع رفاق الأمس، وأن أجد لي كرسياً في آخر الصف، معتذراً عن التأخير في العودة، ومستمعاً إلى حكايات الذين سبقوني، وما شهدوه من أحوال المدينة وتفاصيل العودة.

ولكنني الآن أكملت أكثر من شهر في ود مدني، وأنفقت أكثر من نصف هذه المدة في صيانة المنزل، وإعادة ترتيب المسكن ومكان العمل، وما زالت تلك الأعمال والهموم مستمرة. ومع ذلك، ورغم شحّ الوقود وساعات الظلام وانقطاع الكهرباء، تمكنت من التجوال في المدينة وحضور بعض المناسبات الاجتماعية، في الأفراح والأتراح، بقدر ما تسمح به الظروف.

لكن ما زال ينقصني شيء عزيز؛ فلم ألتقِ بإخوان وأصدقاء الأمس، ولم أجلس مع أولئك الذين جمعتني بهم أيام النزوح في كسلا. أصبحت أتجول في هذه المدينة التي أعرف معظم أهلها وطرقاتها وأحياءها، وكأنني غريب يبحث عن وجوه ألفها واشتاق إليها.

أين أنتم يا رفاق الأمس؟ أين ذهبتم؟ أين تلك الوجوه التي كانت تملأ جلساتنا في المنقايات؟ أين أحاديثنا وضحكاتنا وأحلامنا التي كنا ننسجها تحت ظلال أشجار المنقة؟

يا أهلي وأحبابي، يا أبناء هذه المدينة، تعالوا نلتقي من جديد. تعالوا نشتل أشجار المنقة في مدني، ونرعاها كما رعينا أحلام العودة، حتى تكبر وتظلّلنا، ونعود إلى جلساتنا الحميمية، نحتسي القهوة ونتبادل الذكريات والأخبار.

دعونا ننتظر معاً حتى تثمر تلك الأشجار وتنضج ثمارها، ونقطفها كما نقطف ثمار الصبر بعد طول انتظار.

فقد عدنا إلى مدني، وبقي أن نعود إلى بعضنا بعضاً.

مقالات ذات صلة

إغلاق