Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني السريحة… القرية التي ذُبحت تحت شمسٍ حمراء

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
السريحة… القرية التي ذُبحت تحت شمسٍ حمراء
عندما بزغت الشمس ذلك الصباح، لم تكن تشبه كل صباحات القرى الآمنة، كانت أشعتها صفراء باهتة، لكنها يومها تلطخت بحمرة الدم، كأن السماء نفسها كانت تنعي السريحة قبل أن يبدأ النواح
هناك، في تلك القرية الوادعة، لم يستيقظ الناس على صوت (الديكة ) ولا على رائحة الخبز ولا على دعوات الأمهات، بل استيقظوا على وقع الرصاص، وصهيل الرعب، وخطوات الموت وهو يدخل البيوت بلا استئذان
السريحة لم تكن مدينة حرب، ولم تكن ثكنة عسكرية، كانت قرية بسيطة، مسالمة، يعرف أهلها قيمة الضيف وحرمة الجار، حتى إن الرجل إذا حمل عصاه تعجب الناس من ذلك، لأن الطيبة كانت سلاحهم الوحيد، والسلام كان لغتهم الوحيدة
لكن الأوباش حين دخلوها، لم يسألوا عن الأطفال، ولا عن الشيوخ، ولا عن الأرحام التي ستُقطع إلى الأبد، أول سؤال كان:
أين الذهب؟ ، أين المال؟،أين العربات؟
جاؤوا حفاة الضمير، ممتلئين بجشع الوحوش، يحملون البنادق بدل القلوب، ويزرعون الموت بدل الحياة ، أخذوا ما أرادوا، ثم قتلوا من أرادوا، ثم تركوا خلفهم قرية تبكي حتى اليوم بصوت مكتوم
هناك امرأة ما زالت حتى هذه اللحظة تحمل في عينيها مشهد إخوتها الأربعة وهم يُقتلون بدم بارد، بلا ذنب، بلا محاكمة، بلا رحمة،
وهناك طفل هرب من بين الجثث وما زال صوته يرتجف كلما سمع طرقاً على الباب ، وهناك رضيع كان في مهده، كبر قليلاً، لكنه لم يكبر بما يكفي لينسى رائحة الدم التي ملأت المكان
خمسمائة شهيد…
رقمٌ لا يُكتب بالحبر، بل يُكتب بالأنين.
خمسمائة روح صعدت دفعة واحدة، وتركت على مدخل القرية لافتة موجوعة تقول للعابرين:
(هنا مرت المجزرة… وهنا انكسر قلب الحياة )
كل بيت في السريحة صار يحمل قصة موت ، الجدران التي كانت تسمع الضحكات، تناثرت عليها الدماء ، الأرض التي كانت تُفرش لإكرام الضيف، تحولت إلى مساحات للفقد والعويل ، حتى الأشجار هناك تبدو وكأنها انحنت من شدة الحزن
إني من منصتي أنظر…. حيث أقول:
إن دماء الأبرياء لا تجف مهما مر الزمن، وأن الرعب الذي دخل لا يشيخ، و إن النزوح ليس مجرد رحلة هروب حينها ، بل اقتلاع روح من جذورها…اقول :
إن الذين صفقوا للقتلة أو حاولوا تزيين وجوههم القبيحة، لا يعلمون أن الدم السوداني لا يسقط بالتقادم، وأن صرخات الأمهات تبقى معلقة في عنق التاريخ إلى الأبد
انت …. ياالسريحة
يا قرية دفنت أبناءها على عجل لأن الموت كان أسرع من البكاء، يا أرضاً ما زالت رائحة الشهداء فيها أقوى من رائحة المطر ، لكِ الله وأنتِ تواجهين هذا الخراب وحدك، ولكِ الدعاء بعد أن خذلك العالم، وخذلك الصامتون، وخذلك الذين رأوا المجزرة ثم أداروا وجوههم ومضوا ، سلامٌ على كل أمٍ نامت وهي تضم صورة ابنها بدل جسده، وسلامٌ على كل شهيدٍ مات لأنه فقط كان بريئاً
وسلامٌ على السريحة…
التي لم تعد قرية فقط، بل صارت جرحاً مفتوحاً في ذاكرة وطن.



